و كما قال لأبيه وقومه على ما حكى الله:"ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون": الشعراء: 74 فبدأ يسأل عن معبودهم بلفظة"ما"إذ لا علم له عندئذ بشيء من حاله إلا أنه شيء ثم لما ذكروا الأصنام وهم لا يعتقدون لها شيئا من الشعور والإرادة قالوا:"فنظل لها"بالتأنيث ، ثم لما سمع ألوهيتها منهم ومن الواجب أن يتصف الإله بالنفع والضرر والسمع لدعوة من يدعوه عبر عنها تعبيرا أولي العقل ، ثم لما ذكروا له في قصة كسر الأصنام:"لقد علمت ما هؤلاء ينطقون"حذاء قوله:"فاسألوهم إن كانوا ينطقون"سلب عنها شأن أولي العقل فقال:"أ فتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أ فلا تعقلون": الأنبياء: 67.
ولا يسعنا أن نتعسف فنقول: إنه (عليه السلام) أراد بقوله:"هذا ربي هذا أكبر"الجرم أو المشار إليه أو أنه روعي في ذلك حال لغته التي تكلم بها وهي السريانية ليس يراعى فيها التأنيث كأغلب اللغات العجمية فإن ذلك تحكم ، على أنه (عليه السلام) قال للملك في خصوص الشمس بعينها:"فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب": البقرة: 258 فلم يحك القرآن ما لهج به بالوصف الذي في لغته فما بال هذا المورد هذا ربي هذا أكبر اختص بهذه الحكاية.
ونظير السؤال آت في قوله يسأل قومه عن شأن الأصنام:"ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون": الأنبياء: 52 وكذا قوله في دعائه:"و اجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس": إبراهيم: 36.
وكذا لا يسعنا القول بأنه (عليه السلام) في تذكيره الإشارة إلى الشمس صان الإله عن وصمة الأنوثية تعظيما أو أن الكلام من باب إتباع المبتدإ للخبر الذي هو مذكر أعني قوله: ربي ، وقوله:"أكبر"فكل ذلك تحكم لا دليل عليه ، وسيجيء تفصيل البحث فيها.
والحاصل أن الذي حكاه الله تعالى في هذه الآيات وما يناظرها من قول إبراهيم (عليه السلام) لأبيه وقومه في توحيده تعالى ونفي الشريك عنه كلام يدل بسياقه على أنه (عليه السلام) إنما عاش قبل ذلك في معزل من الجو الذي كان يعيش فيه أبوه وقومه ولم يكن يعرف ما يعرفه معاشر المجتمعين من تفاصيل شئون أجزاء الكون والسنن الاجتماعية الدائرة بين الناس المجتمعين ، وأنه كان إذ ذاك في أوائل زمن رشده وتمييزه ترك معزله ولحق بأبيه ، ووجد عنده أصناما فسأله عن شأنها فلما أوقفه على ذلك شاجره في ألوهيتها وألزمه الحجة ، ثم حاج قومه في أمر الأصنام فبكتهم ، ثم رجع إلى عبادتهم لأرباب الأصنام من الكوكب والقمر والشمس فجاراهم في افتراض ربوبيتها الواحد منها بعد الواحد ، ولم يزل يراقب أمرها ، وكلما غرب واحد منها رفضه وأبطل ربوبيته وافترض ربوبية غيره مما يعبدونه حتى أتى في يومه وليلته على آخرها على ما هو ظاهر الآيات ، ثم عاد إلى التوحيد الخالص بقوله:"إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين"وكأنه تم له ذلك في يومين وليلة بينهما تقريبا على ما سنبين إن شاء الله تعالى.
وكان (عليه السلام) على بصيرة من أن للعالم خالقا فاطرا للسماوات والأرض هو الله وحده لا شريك له في ذلك ، وإنما يبحث عن أنه هل للناس ومنهم إبراهيم نفسه رب غير الله هو بعض خلقه كشمس أو قمر أو غيرها يربهم ويدبر أمرهم ويشارك الله في أمره أو أنه لا رب لهم غير الله سبحانه وحده لا شريك له.
وفي جميع هذه المراحل التي طواها كان الله سبحانه يمده ويسدده بإراءته ملكوت السماوات والأرض وعطف نفسه الشريفة إلى الجهة التي ينتسب منها الأشياء إلى الله سبحانه خلقا وتدبيرا فكان إذا رأى شيئا رأى انتسابه إلى الله وتكوينه وتدبيره بأمره قبل أن يرى نفسيته وآثار نفسيته كما هو ظاهر سياق قوله:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"الآية ، وقوله في ذيل الآيات:"و تلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم"الآية ، وقوله:"و لقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين": الأنبياء: 51.