و قول إبراهيم لأبيه فيما حكى الله تعالى:"يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا": مريم: 43 إلى غير ذلك من الآيات.
ثم حاج الملك نمرود في دعواه الربوبية على ما كان ذلك من دأب كثير من جبابرة السلف ومن نظائر ذلك نشأت الوثنية وكانت لقومه آلهة كثيرة لها أصنام يعبدونها ، وفيهم من كان يعبد أرباب الأصنام كالشمس والقمر والكوكب الذي ذكره القرآن الكريم ولعله الزهرة.
هذا ملخص ما يستفاد من الآيات الكريمة وسنبحث عن مضامينها تفصيلا بحسب ما نستطيعه إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى:"و إذ قال إبراهيم لأبيه آزر"القراءات السبع في آزر بالفتح فيكون عطف بيان أو بدلا من أبيه وفي بعض القراءات"آزر"بالضم وظاهره أنه منادى مرفوع بالنداء ، والتقدير: يا آزر أ تتخذ أصناما آلهة ، وقد عد من القراءات"أ أزرا تتخذ"مفتتحا بهمزة الاستفهام ، وبعده"أزرا"بالنصب مصدر أزر يأزر بمعنى قوي والمعنى: وإذ قال إبراهيم لأبيه أ تتخذ أصناما للتقوي والاعتضاد.
وقد اختلف المفسرون على القراءة الأولى المشهورة والثانية الشاذة في"آزر"أنه اسم علم لأبيه أو لقب أريد بمعناه المدح أو الذم بمعنى المعتضد أو بمعنى الأعرج أو المعوج أو غير ذلك ومنشأ ذلك ما ورد في عدة روايات أن اسم أبيه"تارح"بالحاء المهملة أو المعجمة ويؤيده ما ضبطه التاريخ من اسم أبيه ، وما وقع في التوراة الموجودة أنه (عليه السلام) ابن تارخ.
كما اختلفوا أن المراد بالأب هو الوالد أو العم أو الجد الأمي أو الكبير المطاع ومنشأ ذلك أيضا اختلاف الروايات فمنها ما يتضمن أنه كان والده وأن إبراهيم (عليه السلام) سيشفع له يوم القيامة ولكن لا يشفع بل يمسخه الله ضبعا منتنا فيتبرأ منه إبراهيم ، ومنها ما يدل على أنه لم يكن والده ، وأن والده كان موحدا غير مشرك ، وما يدل على أن آباء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا جميعا موحدين غير مشركين إلى غير ذلك من الروايات ، وقد اختلفت في سائر ما قص من أمر إبراهيم اختلافا عجيبا حتى اشتمل بعضها على نظائر ما ينسبه إليه العهد العتيق مما تنزهه عنه الخلة الإلهية والنبوة والرسالة.
وقد أطالوا هذا النمط من البحث حتى انجر إلى غايات بعيدة تغيب عندها رسوم البحث التفسيري الذي يستنطق الآيات الكريمة عن مقاصدها عن نظر الباحث ، وعلى من يريد الاطلاع على ذلك أن يراجع مفصلات التفاسير وكتب التفسير بالمأثور.
والذي يهدي إليه التدبر في الآيات المتعرضة لقصصه (عليه السلام) أنه (عليه السلام) في أول ما عاشر قومه بدأ بشأن رجل يذكر القرآن أنه كان أباه آزر ، وقد أصر عليه أن يرفض الأصنام ويتبعه في دين التوحيد فيهديه حتى طرده أبوه عن نفسه وأمره أن يهجره قال تعالى:"و اذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا ، إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا - إلى أن قال - قال أ راغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا": مريم: 46 فسلم عليه إبراهيم ووعده أن يستغفر له ، ولعله كان طمعا منه في إيمانه وتطميعا له في السعادة والهدى قال تعالى:"قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ، وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا": مريم: 48 والآية الثانية أحسن قرينة على أنه (عليه السلام) إنما وعده أن يستغفر له في الدنيا لا أن يشفع له يوم القيامة وإن بقي كافرا أو بشرط أن لا يعلم بكفره.