فهرس الكتاب

الصفحة 1420 من 4314

ثم حكى الله سبحانه إنجازه (عليه السلام) لوعده هذا واستغفاره لأبيه في قوله:"رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم": الشعراء: 89 وقوله:"إنه كان من الضالين"يدل على أنه (عليه السلام) إنما دعا بهذا الدعاء لأبيه بعد موته أو بعد مفارقته إياه وهجره له لمكان قوله:"كان"وذيل كلامه المحكي في الآيات يدل على أنه كان صورة دعاء أتى بها للخروج عن عهدة ما وعده وتعهد له فإنه (عليه السلام) يقول: اغفر لهذا الضال يوم القيامة ثم يصف يوم القيامة بأنه لا ينفع فيه شيء إلا القلب السليم.

وقد كشف الله سبحانه عن هذه الحقيقة بقوله - وهو في صورة الاعتذار -:"ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ، وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم": التوبة: 114 والآية بسياقها تشهد على أن هذا الدعاء إنما صدر منه (عليه السلام) في الدنيا وكذلك التبري منه لا أنه سيدعو له ثم يتبرأ منه يوم القيامة فإن السياق سياق التكليف التحريمي العام وقد استثنى منه دعاء إبراهيم ، وبين أنه كان في الحقيقة وفاء منه (عليه السلام) بما وعده ، ولا معنى لاستثناء ما سيقع مثلا يوم القيامة عن حكم تكليفي مشروع في الدنيا ثم ذكر التبري يوم القيامة.

وبالجملة هو سبحانه يبين دعاء إبراهيم (عليه السلام) لأبيه ثم تبريه منه ، وكل ذلك في أوائل عهد إبراهيم ولما يهاجر إلى الأرض المقدسة بدليل سؤاله الحق واللحوق بالصالحين وأولادا صالحين كما يستفاد من قوله في الآيات السابقة: رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين"الآية وقوله تعالى - ويتضمن التبري عن أبيه وقومه واستثناء الاستغفار أيضا -:"قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء": الممتحنة: 4."

ثم يذكر الله تعالى عزمه (عليه السلام) على المهاجرة إلى الأرض المقدسة وسؤاله أولادا صالحين بقوله:"فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين ، وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ، رب هب لي من الصالحين": الصافات: 100.

ثم يذكر تعالى ذهابه إلى الأرض المقدسة ورزقه صالح الأولاد بقوله:"و أرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ، ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ، ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين": الأنبياء: 72 وقوله:"فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا": مريم: 49.

ثم يذكر تعالى آخر دعائه بمكة وقد وقع في آخر عهده (عليه السلام) بعد ما هاجر إلى الأرض المقدسة وولد له الأولاد وأسكن إسماعيل مكة وعمرت البلدة وبنيت الكعبة ، وهو آخر ما حكي من كلامه في القرآن الكريم:"و إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام - إلى أن قال - ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة - إلى أن قال - الحمد الله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء - إلى أن قال - ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب": إبراهيم: 41.

والآية بما لها من السياق وبما احتف بها من القرائن أحسن شاهد على أن والده الذي دعا له فيها غير الذي يذكره سبحانه بقوله:"لأبيه آزر"فإن الآيات كما ترى تنص على أن إبراهيم (عليه السلام) استغفر له وفاء بوعده ثم تبرأ منه لما تبين له أنه عدو لله ، ولا معنى لإعادته (عليه السلام) الدعاء لمن تبرأ منه ولاذ إلى ربه من أن يمسه فأبوه آزر غير والده الصلبي الذي دعا له ولأمه معا في آخر دعائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت