فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و هذا خطأ فإن ما ذكره من أمر الفن القصصي حق غير أن ذلك غير منطبق على مورد القرآن الكريم فليس القرآن كتاب تاريخ ولا صحيفة من صحف القصص التخييلية وإنما هو كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقد نص على أنه كلام الله سبحانه ، وأنه لا يقول إلا الحق ، وأن ليس بعد الحق إلا الضلال ، وأنه لا يستعين للحق بباطل ، ولا يستمد للهدى بضلال ، وأنه كتاب يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم ، وأن ما فيه حجة لمن أخذ به وعلى من تركه في آيات جمة لا حاجة إلى إيرادها فكيف يسع لباحث يبحث عن مقاصد القرآن أن يجوز اشتماله على رأي باطل أو قصة كاذبة باطلة أو خرافة أو تخييل.
لست أريد أن مقتضى الإيمان بالله ورسوله وبما جاء به رسوله أن ينفى عن القرآن أن يشتمل على باطل أو كذب أو خرافة وإن كان ذلك ، ولا أن الواجب على كل إنسان سليم العقل صحيح الفكر مستقيم الأمر أن تخضع نفسه للقرآن بتصديقه ونفي كل خطإ وزلة عنه في وسائل من المعارف توسل بها إلى مقاصده ، وفي نفس تلك المقاصد وإن كان كذلك.
وإنما أقول: إنه كتاب يدعي لنفسه أنه كلام إلهي موضوع لهداية الناس إلى حقيقة سعادتهم يهدي بالحق ويهدي إلى الحق ومن الواجب على من يفسر كتابا هذا شأنه ويستنطقه في مقاصده ومطالبه أن يفترضه صادقا في حديثه مقتصرا على ما هو الحق الصريح في خبره وكل ما يسوقه من بيان أو يقيمه من برهان على مقاصده وأغراضه هاديا إلى الصراط الذي لا يتخلله باطل موصلا إلى غاية لا يشوبها شيء من غير جنس الحق ولا يداخلها أي وهن وفتور.
وكيف يكون مقصد من المقاصد حقا على الإطلاق وقد تسرب باطل ما إلى طريقه الذي يدعو إليه المقصد ولا يدعو - على ما يراه - إلا إلى حق؟ وكيف يكون قضية من القضايا قولا فصلا ما هو بالهزل وقد تسرب إلى البيان المنتج لها شيء من المسامحة والمساهلة؟ وكيف يمكن أن يكون حديث أو نبأ كلاما لله الذي يعلم غيب السماوات والأرض وقد دب فيه جهل أو خبط أو خطاء؟ وهل ينتج النور ظلمة أو الجهل معرفة؟.
فهذا هو المسلك الوحيد الذي لا يحل تعديه في استنطاق القرآن الكريم في مضامين آياته وهو يرى أنه كلام حق لا يشوبه باطل في غرضه وطريق غرضه.
وأما البحث عن أنه هل هو صادق فيما يدعيه لنفسه: أنه كلام الله ، وأنه محض الحق في طريقه وغايته؟ وأنه ما ذا يقضي به الكتب المقدسة الأخرى كالعهدين وأوستا وغيرها في قضايا قضى بها القرآن؟ وأنه ما ذا تهدي إليه الأبحاث العلمية الأخر التاريخية أو الطبيعية أو الرياضية أو الفلسفية أو الاجتماعية أو غيرها؟ فإنما هذه وأمثالها أبحاث خارجة عن وظيفة التفسير ليس من الجائز أن تخلط به أو يقام بها مقامه.
نعم قوله تعالى:"أ فلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا": النساء: 82 ينطق بأن هناك شبهات عارضة وأوهاما متسابقة إلى الأذهان تسول لها أن في القرآن اختلافا كان يتراءى من آية أنها تخالف آية ، أو أن يستشكل في آية أنها بمضمونها تخالف الحق والحقيقة وإذ كان القرآن ينص على أنه يهدي إلى الحق فيختلف الآيتان بالآخرة ، هذه تدل على أن كل ما تنبىء عنه آية فهو حق وهذه بمضمونها تنبىء نبأ غير حق لكن الآية أعني قوله:"أ فلا يتدبرون القرآن"إلخ ، تصرح القول بأن القرآن تكفي بعض آياته لدفع المشكلة عن بعضها الآخر ويكشف جزء منه عما اشتبه على بعض الأفهام من حال جزء آخر فعلى الباحث عن مراده ومقصده أن يستعين بالبعض على البعض ويستشهد بالبعض على البعض ويستنطق البعض في البعض والقرآن الكريم كتاب دعوة وهداية لا يتخطى عن صراطه ولو خطوة وليس كتاب تاريخ ولا قصة وليست مهمته مهمة الدراسة التاريخية ولا مسلك الفن القصصي ، وليس فيه هوى ذكر الأنساب ولا مقدرات الزمان والمكان ، ولا مشخصات أخر لا غنى للدرس التاريخي أو القصة التخييلية عن إحصائها وتمثيلها.
فأي فائدة دينية في أن ينسب إبراهيم أنه إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح بن أرفكشاذ بن سام بن نوح؟ أو أن يقال: إنه ولد في أور الكلدانيين حدود سنة ألفين تقريبا قبل الميلاد في عهد فلان الملك الذي ولد في كذا وملك كذا مدة ومات سنة كذا.