فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و سنجمع في ذيل البحث عن آيات القصة جملا من قصة إبراهيم (عليه السلام) منثورة في القرآن ثم نتبعها بما في التوراة وغيرها من تاريخ حياته وشخصيته فلينظر الباحث المتدبر بعين النصفة ثم ليقض فيما اختاره القرآن منها وحققه ما هو قاض.
والقرآن الكريم مع ذلك لم يهمل الواجب في حق العلوم النافعة ، ولم يحرم البحث عن العالم وأجزائه السماوية والأرضية ، ولا منع من استطلاع أخبار الأمم الماضية وسنن المجتمعات والقرون الخالية ، والاستعانة بها على واجب المعرفة ولازم العلم والآيات تمدح العلم أبلغ المدح ، وتندب إلى التفكر والتفقه والتذكر كثرة لا حاجة معها إلى إيرادها هاهنا.
قوله تعالى:"أ تتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين"قال الراغب في المفردات: ، الصنم جثة متخذة من فضة أو نحاس أو خشب كانوا يعبدونها متقربين به إلى الله تعالى وجمعه أصنام قال الله تعالى: أ تتخذ أصناما آلهة ، لأكيدن أصنامكم ، انتهى ، وما ذكره من اتخاذه من فضة أو نحاس أو خشب إنما هو من باب المثال لا ينحصر فيه اتخاذها بل كان يتخذ من كل ما يمكن أن يمثل به تمثال من أقسام الفلزات والحجارة وغيرها ، وقد روي أن بني حنيفة من اليمامة كانوا قد اتخذوا صنما من أقط ، وربما كانوا يتخذونه من الطين وربما كان صورة مصورة.
وكيف كان فقد كانت الأصنام ربما يمثل بها موضوع اعتقادي غير محسوس كإله السماء والأرض وإله العدل ، وربما يمثل بها موضوع محسوس كصنم الشمس وصنم القمر ، وقد كانت من النوعين جميعا أصنام لقوم إبراهيم (عليه السلام) على ما تؤيده الآثار المكشوفة منهم في خرائب بابل وقد كانوا يعبدونها تقربا بها إلى أربابها ، وبأربابها إلى الله سبحانه ، وهذا أنموذج بارز من سفه أحلام البشر أن يخضع أعلى حد الخضوع - وهو خضوع العبد للرب - لمثال مثل به موضوعا يستعظم أمره ويعظمه ، وحقيقته منتهى درجة خضوع المصنوع المربوب لصانعه من صانع لمصنوع نفسه كان الواحد منهم يأخذ خشبة فينحت بيده منه صنما ثم ينصبه فيعبده ويتذلل له ويخضع ولذلك جيء بلفظة الأصنام في قوله المحكي:"أ تتخذ أصناما آلهة"نكرة ليدل على هوان أمرها وحقارته من جهة أنها مصنوعة لهم مخلوقة بأيديهم كما يشير إليه قوله (عليه السلام) لقومه فيما حكى الله:"أ تعبدون ما تنحتون": الصافات: 95 ومن جهة أنها فاقدة لأظهر صفات الربوبية وهو العلم والقدرة كما في قوله لأبيه:"إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا": مريم: 42.
فقوله:"أ تتخذ أصناما"إلخ ، معناه: أ تتخذ أصناما لا خطر في أمرها آلهة والإله هو الذي في أمره خطر عظيم إني أراك وقومك في ضلال مبين ، وكيف لا يظهر هذا الضلال وهو عبادة وتذلل عبودي من صانع فيه آثار العلم والقدرة لمصنوعه الذي يفقد العلم والقدرة.
والذي تشتمل عليه الآية أعني قوله:"أ تتخذ أصناما آلهة"إلخ ، من الحجاج وإن كان بمنزلة التلخيص لعدة احتجاجات واجه بها إبراهيم (عليه السلام) أباه وقومه على ما حكي تفصيلها في عدة مواضع من القرآن الكريم إلا أنه أول ما حاج به أباه وقومه فإن الذي حكاه الله سبحانه من محاجته هو حجاجه أباه وحجاجه قومه في أمر الأصنام وحجاجهم في ربوبية الكوكب والقمر والشمس وحجاجه الملك.
أما حجاجه في ربوبية الكوكب والقمر والشمس فالآيات دالة على كونه بعد الحجاج في أمر الأصنام ، والاعتبار والتدبر يعطي أن يكون حجاجه الملك بعد ما ظهر أمره وشاع مخالفته لدين الوثنية والصابئة وكسر الأصنام ، وأن يكون مبدأ أمره مخالفته أباه في دينه وهو معه وعنده قبل أن يواجه الناس ويخالفهم في نحلتهم فقد كان أول ما حاج به في التوحيد هو ما حاج به أباه وقومه في أمر الأصنام.
قوله تعالى:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"إلخ ، ظاهر السياق أن تكون الإشارة بقوله:"كذلك"إلى ما تضمنته الآية السابقة:"و إذ قال إبراهيم لأبيه آزر أ تتخذ أصناما آلهة إني أراك"إلخ ، أنه (عليه السلام) أري الحق في ذلك ، فالمعنى: على هذا المثال من الإراءة نري إبراهيم ملك السماوات والأرض.