فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فقد تبين أن الملكوت هو وجود الأشياء من جهة انتسابها إلى الله سبحانه وقيامها به ، وهذا أمر لا يقبل الشركة ويختص به سبحانه وحده ، فالربوبية التي هي الملك والتدبير لا تقبل تفويضا ولا تمليكا انتقاليا.
ولذلك كان النظر في ملكوت الأشياء يهدي الإنسان إلى التوحيد هداية قطعية كما قال تعالى:"أ ولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون": الأعراف: 185 والآية - كما ترى - تحاذي أول سورة الملك المنقول آنفا.
فقد بان أن المراد بإراءة إبراهيم ملكوت السماوات والأرض على ما يعطيه التدبر في سائر الآيات المربوطة بها هو توجيهه تعالى نفسه الشريفة إلى مشاهدة الأشياء من جهة استناد وجودها إليه ، وإذ كان استنادا لا يقبل الشركة لم يلبث دون أن حكم عليها أن ليس لشيء منها أن يرب غيره ويتولى تدبير النظام وأداء الأمور فالأصنام تماثيل عملها الإنسان وسماها أسماء لم ينزل الله عليها من سلطان ، وما هذا شأنه لا يرب الإنسان ولا يملكه وقد عملته يد الإنسان ، والأجرام العلوية كالكوكب والقمر والشمس تتحول عليها الحال فتغيب عن الإنسان بعد حضورها ، وما هذا شأنه لا يكون له الملك وتولي التدبير تكوينا كما سيجيء بيانه.
قوله تعالى:"و ليكون من الموقنين"اللام للتعليل ، والجملة معطوفة على أخرى محذوفة والتقدير: ليكون كذا وكذا وليكون من الموقنين.
واليقين هو العلم الذي لا يشوبه شك بوجه من الوجوه ، ولعل المراد به أن يكون على يقين بآيات الله على حد ما في قوله:"و جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون": السجدة: 24 وينتج ذلك اليقين بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا.
وفي معنى ذلك ما أنزله في خصوص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:"سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا": الإسراء: 1 وقال:"ما زاغ البصر وما طغى ، لقد رأى من آيات ربه الكبرى": النجم: 18 وأما اليقين بذاته المتعالية فالقرآن يجله تعالى أن يتعلق به شك أو يحيط به علم وإنما يسلمه تسليما.
وقد ذكر في كلامه تعالى من خواص العلم اليقيني بآياته تعالى انكشاف ما وراء ستر الحس من حقائق الكون على ما يشاء الله تعالى كما في قوله:"كلا لو تعلمون علم اليقين ، لترون الجحيم": التكاثر: 6 وقوله:"كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ، وما أدراك ما عليون ، كتاب مرقوم ، يشهده المقربون": المطففين: 21.
قوله تعالى:"فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربي"إلى آخر الآية قال الراغب في المفردات ،: أصل الجن بفتح الجيم ستر الشيء عن الحاسة يقال: جنه الليل وأجنه وجن عليه: فجنه ستره ، وأجنه جعل له ما يجنه كقولك: قبرته وأقبرته وسقيته وأسقيته ، وجن عليه كذا ستر عليه قال عز وجل: فلما جن عليه الليل رءا كوكبا ، انتهى.
فجن الليل إسداله الظلام لا مجرد ما يحصل بغروب الشمس.
وقوله:"فلما جن عليه الليل"تفريع على ما تقدم من نفيه ألوهية الأصنام بما يرتبطان بقوله:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"ومحصل المعنى على ذلك أنا كنا نريه الملكوت من الأشياء فأبطل ألوهية الأصنام إذ ذاك ، ودامت عليه الحال فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال كذا وكذا.
وقوله:"رءا كوكبا"كأن تنكير الكوكب إنما هو لنكتة راجعة إلى مرحلة الإخبار والتحدث فلا غرض في الكلام يتعلق بتعيين هذا الكوكب وأنه أي كوكب كان من السيارات أو الثوابت لأن الذي أخذه في الحجاج يجري في أي كوكب من الكواكب يطلع ويغرب لا أن إبراهيم (عليه السلام) أشار إلى كوكب ما من الكواكب من غير أن يمتاز بأي مميز مفروض: أما أولا فلأن اللفظ لا يساعده فلا يقال لمن أشار إلى كوكب بين كواكب لا تحصى كثرة فقال: هذا ربي: إنه رأى كوكبا قال هذا ربي ، وأما ثانيا فلأن ظاهر الآيات أنه كان هناك قوم يعبدون الكوكب الذي أشار إليه وقال فيه ما قال ، والصابئون ما كانوا يعبدون أي كوكب ولا يحترمون إلا السيارات.