فهرس الكتاب

الصفحة 1426 من 4314

و الذي يؤيده الاعتبار أنه كان كوكب الزهرة ، وذلك لأن الصابئين ما كانوا يحترمون وينسبون حوادث العالم الأرضي إلا إلى سبعة من الأجرام العلوية التي كانوا يسمونها بالسيارات السبع: القمر ، وعطارد ، والزهرة ، والشمس ، والمريخ ، والمشتري ، وزحل وإنما كان أهل الهند هم الذين يحترمون النجوم الثوابت وينسبون الحوادث إليها ، ونظيرهم في ذلك بعض أرباب الطلسمات ووثنية العرب وغيرهم.

فالظاهر أن الكوكب كان أحد السبعة والقمر والشمس مذكوران بعد ، وعطارد مما لا يرى إلا شاذا لضيق مداره فقد كان أحد الأربعة: الزهرة ، والمريخ والمشتري ، وزحل ، والزهرة من بينها هي الكوكبة الوحيدة التي يمنعها ضيق مدارها أن تبتعد من الشمس أكثر من سبع وأربعين درجة ، ولذلك كانت كالتابعة الملازمة للشمس فأحيانا تتقدمها فتطلع قبيل طلوعها وتسمى عند العامة حينئذ نجمة الصباح ثم تغيب بعد طلوعها ، وأحيانا تتبعها فتظهر بعد غروب الشمس في أفق المغرب ثم لا تلبث إلا قليلا في أول الليل دون أن تغيب ، وإذا كانت على هذا الوضع والليلة من ليالي النصف الأخير من الشهر القمري كليلة ثماني عشرة وتسع عشرة والعشرين فإنها تجامع بغروبها طلوع القمر فترى أن الشمس تغرب فتظهر الزهرة في الأفق الغربي ثم تغرب بعد ساعة أو ساعتين مضتا من غروب الشمس ثم يطلع القمر عند ذلك أو بعد ذلك بيسير.

وهذه الخصوصية من بينها إنما هي للزهرة بحسب نظام سيرها وفي غيرها كالمشتري والمريخ وزحل أمر اتفاقي ربما يقع في أوضاع خاصة لا يسبق إلى الذهن فيشبه من هنا أن الكوكب كان هو الزهرة.

على أن الزهرة أجمل الكواكب الدرية وأبهجها وأضوؤها أول ما يجلب نظر الناظر إلى السماء بعد جن الليل وعكوف الظلام على الآفاق يجلب إليها.

وهذا أحسن ما يمكن أن تنطبق عليه الآية بحسب ما يتسابق إلى الذهن من قوله: فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربي فلما أفل - إلى أن قال - فلما رءا القمر بازغا"إلخ"حيث وصل ظاهرا بين أفول الكوكب وبزوغ القمر.

ويتأيد هذا الذي ذكرناه بما ورد في بعض الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن الكوكب كان هو الزهرة.

وعلى هذا فقد كان (عليه السلام) رأى الزهرة والقوم يتنسكون بواجب عبادتها من خضوع وصلاة وقربان ، وكانت الزهرة وقتئذ تتلو الشمس في غروبها ، والليلة من ليالي النصف الأخير من الشهر القمري جن عليه الليل فرأى الزهرة في الأفق الغربي حتى أفلت فرأى القمر بازغا بعده.

وقوله تعالى:"قال هذا ربي"المراد بالرب هو مالك الأشياء المربوبين ، المدبر لأمرهم لا الذي فطر السماوات والأرض وأوجد كل شيء بعد ما لم يكن موجودا فإنه الله سبحانه الذي ليس بجسم ولا جسماني ولا يحويه مكان ولا يقع عليه إشارة ، والذي يظهر مما حكي من كلام إبراهيم مع قومه في أمر الأصنام ظهورا لا شك فيه أنه كان على بينة من ربه وله من العلم بالله وآياته ما لا يخفى عليه معه أن الله سبحانه أنزه ساحة من التجسم والتمثل والمحدودية ، قال تعالى حكاية عنه في محاورة له مع أبيه:"يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا"إلى آخر الآيات: مريم: 43.

على أن الوثنيين والصابئين لا يثبتون لله سبحانه شريكا في الإيجاد يكافىء بوجوده وجوده تعالى بل إنما يثبتون الشريك بمعنى بعض من هو مخلوق لله مصنوع له ولا أقل مفتقر الوجود إليه فوض إليه بعد تدبير الخليقة كإله الحسن وإله العدل وإله الخصب أو تدبير بعض الخليقة كإله الإنسان أو إله القبيلة أو إله يخص بعض الملوك والأشراف وقد دلت على ذلك آثارهم المستخرجة وأخبارهم المروية ، والموجودون منهم اليوم على هذه الطريقة فقوله (عليه السلام) بالإشارة إلى الكوكب:"هذا ربي"أراد به إثبات أنه رب يدبر الأمر لا إله فاطر مبدع.

وعليه يدل ما حكي عنه في آخر الآيات المبحوث عنها:"قال يا قوم إني بريء مما تشركون ، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين"فإن ظاهره أنه ينصرف عن فرض الشريك إلى إثبات أن لا شريك له لا أنه يثبت وجوده تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت