فهرس الكتاب

الصفحة 1427 من 4314

فالذي يعطيه ظاهر الآيات أنه (عليه السلام) سلم أن لجميع الأشياء إلها فاطرا واحدا لا شريك له في الفطر والإيجاد وهو الله تعالى ، وأن للإنسان ربا يدبر أمره لا محالة ، وإنما يبحث عن أن هذا الرب المدبر للأمر أ هو الله سبحانه وإليه يرجع التدبير كما إليه يرجع الإيجاد أم أنه بعض خلقه أخذه شريكا لنفسه وفوض إليه أمر التدبير.

وفي إثر ذلك ما كان منه (عليه السلام) من افتراض الكوكب الذي كانوا يعبدونه ثم القمر ثم الشمس والنظر في أمر كل منها هل يصلح لأن يتولى أمر التدبير وإدارة شئون الناس؟.

وهذا الافتراض والنظر وإن كان بحسب طبعه قبل العلم اليقيني بالنتيجة فإن النتيجة فرع يتأخر طبعا عن الحجة النظرية لكنه لا يضر به (عليه السلام) فإن الآيات كما استفدناه فيما تقدم تقص أول أمر إبراهيم والإنسان في أول زمن يأخذ بالتمييز ويصلح لتعلق التكليف الإلهي بالنظر في أمر التوحيد وسائر المعارف الأصلية كاللوح الخالي عن النقش والكتابة غير مشغول بنقش مخالف فإذا أخذ في الطلب وشرع يثبت شيئا وينفي شيئا لغاية الحصول على الاعتقاد الحق والإيمان الصحيح فهو بعد في سبيل الحق لا بأس عليه في زمن يمر عليه بين الانتزاع من قصور التمييز وبين الاعتصام بالمعرفة الكاملة والعلم التام بالحق.

ومن ضروريات حياة الإنسان أن يمر عليه لحظة هي أول لحظة ينتقل فيها من قصور الجهل بواجب الاعتقاد إلى بلوغ العلم بحيث يتعلق به التكليف العقلي بالانتهاض إلى الطلب والنظر ، وهذه سنة عامة في الحياة الإنسانية المتدرجة من النقص إلى الكمال لا يختلف فيها إنسان وإنسان ، وإن أمكن أن يظهر من بعض الأفراد بعض ما يخالف ذلك من أمارات الفهم والعلم قبل المتعارف من سن التمييز والبلوغ كما يحكيه القرآن عن المسيح ويحيى (عليهما السلام) فإنما ذلك من خوارق العادة الجارية وما كل إنسان على هذا النعت ولا كل نبي فعل به ذلك.

وبالجملة ليس الإنسان من أول ما ينفخ فيه الروح الإنساني واجدا لشرائط التكليف بالاعتقاد الحق أو العمل الصالح ، وإنما يستعد لذلك على سبيل التدريج حتى يستتم الشرائط فيكلف بالطلب والنظر فزمن حياته منقسم لا محالة إلى قسمين هما قبل التمييز والبلوغ وبعد التمييز والبلوغ وهو الزمان الذي يصلح لأن يشغله الاعتقاد كما أن ما يقابله يقابله فيه ، وبين الزمانين الصالح لإشغاله بالاعتقاد وغير الصالح له لا محالة زمان متخلل يتوجه إليه فيه التكليف بالطلب والنظر ، وهو الفصل الذي يبحث فيه عن واجب الاعتقاد بما تهدي إليه فطرته من طريق الاستدلال فيفرض نفسه أو العالم مثلا بلا صانع مرة ومع الصانع أخرى ، ويفرض الصانع وحده مرة ومع الشريك أخرى وهكذا ثم ينظر ما ذا تؤيده الآثار المشهودة في العالم من كل فرض فرضه أو لا تؤيده فيأخذ بذاك ويترك هذا.

فهو ما لم يتم له الاستدلال غير قاطع بشيء ولا بان على شيء وإنما هو مفترض ومقدر لما افترضه وقدره.

وعلى هذا فقول إبراهيم (عليه السلام) في الكوكب:"هذا ربي"وكذا قوله الآتي في القمر والشمس ليس من القطع والبناء اللذين يعدان من الشرك ، وإنما هو افتراض أمر للنظر إلى الآثار التي تثبته وتؤيده ، ومن الدليل على ذلك ما في الآيات من الظهور في أنه (عليه السلام) كان على حالة الترقب والانتظار ، فهذا وجه.

ولكن الذي يتأيد بما حكاه الله عنه في سورة مريم في محاجته أباه: يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا ، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا ، قال أ راغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا ، قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا": مريم: 47 أنه (عليه السلام) كان على علم بحقيقة الأمر وأن الذي يتولى تدبير أمره ويحفي عليه ويبالغ في إكرامه هو الله سبحانه دون غيره."

وعلى هذا فقوله:"هذا ربي"جار مجرى التسليم والمجاراة بعد نفسه كأحدهم ومجاراتهم وتسليم ما سلموه ثم بيان ما يظهر به فساد رأيهم وبطلان قولهم ، وهذا الطريق من الاحتجاج أجلب لإنصاف الخصم ، وأمنع لثوران عصبيته وحميته ، وأصلح لإسماع الحجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت