فهرس الكتاب

الصفحة 1428 من 4314

قوله تعالى:"فلما أفل قال لا أحب الآفلين"الأفول الغروب وفيه إبطال ربوبية الكوكب بعروض صفة الأفول له فإن الكوكب الغارب ينقطع بغروبه ممن طلع عليه ولا يستقيم تدبير كوني مع الانقطاع.

على أن الربوبية والمربوبية بارتباط حقيقي بين الرب والمربوب وهو يؤدي إلى حب المربوب لربه لانجذابه التكويني إليه وتبعيته له ، ولا معنى لحب ما يفنى ويتغير عن جماله الذي كان الحب لأجله ، وما يشاهد من أن الإنسان يحب كثيرا الجمال المعجل والزينة الداثرة فإنما هو لاستغراقه فيه من غير أن يلتفت إلى فنائه وزواله فمن الواجب أن يكون الرب ثابت الوجود غير متغير الأحوال كهذه الزخارف المزوقة التي تحيا وتموت وتثبت وتزول وتطلع وتغرب وتظهر وتخفى وتشب وتشيب وتنضر وتشين ، وهذا وجه برهاني وإن كان ربما يتخيل أنه بيان خطابي أو شعري فافهم ذلك.

وعلى أي حال فهو (عليه السلام) أبطل ربوبية الكوكب بعروض الأفول له إما بالتكنية عن البطلان بأنه لا يحبه لأفوله لأن المربوبية والعبودية متقومة بالحب فليس يسع من لا يحب شيئا أن يعبده وقد ورد في المروي عن الصادق (عليه السلام) :"هل الدين إلا الحب؟"وقد بينا ذلك فيما تقدم.

وإما لكون الحجة متقومة بعدم الحب وإنما ذكر الأفول ليوجه به عدم حبه له المنافي للربوبية لأن الربوبية والألوهية تلازمان المحبوبية فما لا يتعلق به الحب الغريزي الفطري لفقدانه الجمال الباقي الثابت لا يستحق الربوبية ، وهذا الوجه هو الظاهر يتكىء عليه سياق الاحتجاج في الآية.

ففي الكلام أولا إشارة إلى التلازم بين الحب والعبودية أو المعبودية.

وثانيا أنه أخذ في إبطال ربوبية الكوكب وصفا مشتركا بينه وبين القمر والشمس ثم ساق الاحتجاج وكرر ما احتج به في الكوكب في القمر والشمس أيضا ، وذلك إما لكونه (عليه السلام) لم يكن مسبوق الذهن من أمر القمر والشمس وأنهما يطلعان ويغربان كالكوكب كما تقدمت الإشارة إليه وإما لكون القوم المخاطبين في كل من المراحل الثلاث غير الآخرين.

وثالثا أنه اختار للنفي وصف أولي العقل حيث قال:"لا أحب الآفلين"وكأنه للإشارة إلى أن غير أولي الشعور والعقل لا يستحق الربوبية من رأس كما يؤمي إليه في قوله المحكي:"يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا": مريم: 42 وقوله الآخر:"إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ، قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين ، قال هل يسمعونكم إذ تدعون ، أو ينفعونكم أو يضرون ، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون": الشعراء: 74 فسألهم أولا عن معبودهم كأنه لا يعلم من أمرها شيئا فأجابوه بما يشعر بأنها أجساد وهياكل غير عاقلة ولا شاعرة فسألهم ثانيا عن علمها وقدرتها وهو يعبر بلفظ أولي العقل للدلالة على أن المعبود يجب أن يكون على هذه الصفة صفة العقل.

قوله تعالى:"فلما رءا القمر بازغا قال هذا ربي"إلى آخر الآية ، البزوغ هو الطلوع تقدم الكلام في دلالة قوله:"فلما رءا"إلخ ، على اتصال القضية بما قبلها ، وقوله:"هذا ربي"على سبيل الافتراض أو المجاراة والمماشاة والتسليم نظير ما تقدم في الآية السابقة.

وأما قوله بعد أفول القمر:"لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين"فهو موضوع وضع الكناية فهو (عليه السلام) أبطل ربوبية الكوكب بما يعم كل غارب ولما غرب القمر ظهر عندئذ رأيه في أمر ربوبيته بما كان قد قاله قبل ذلك في الكوكب:"لا أحب الآفلين"فقوله:"لئن لم يهدني ربي"إلخ ، إشارة إلى أن الوضع الذي ذكره في القمر بقوله:"هذا ربي"كان ضلالا لو دام وأصر عليه كان أحد أولئك الضالين القائلين بربوبيته والوجه في كونه ضلالا ما قاله في الكوكب حيث عبر بوصف لا يختص به بل يصدق في مورده وكل مورد يشابهه.

وفي الكلام إشارة أولا إلى أنه كان هناك قوم قائلون بربوبية القمر كالكوكب كما أن قوله في الآية التالية بعد ذكر أمر الشمس:"يا قوم إني بريء مما تشركون"لا يخلو عن الدلالة على مثله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت