فهرس الكتاب

الصفحة 1430 من 4314

و كذا قوله:"هذا أكبر"الخبر فيه من صيغ التفضيل وحكم صيغة التفضيل إذا وقعت خبرا أن يجاء بأفعل ويستوي فيه المذكر والمؤنث يقال زيد أفضل من عمر وليلى أجمل من سلمى ، وما هذا شأنه لا نسلم أنه من صيغ المذكر الذي يجري فيه الإتباع.

ومنهم من قال: إن تذكير الإشارة إنما هو لتعظيم الشمس حيث نسب إليها الربوبية صونا للإله عن وصمة التأنث.

وفيه: أنهم كانوا يعدون الأنوثية من النواقص التي يجب أن ينزه عنها الإله وقد كان لأهل بابل أنفسهم آلهة أنثى كالإلهة"نينو"إلهة الأمهات الخالفة ، والإلهة"نين كاراشا"ابنة الإله"آنو"والإلهة"مالكات"زوجة الإله"شاماش"والإلهة"زاربانيت"إلهة الرضاع ، والإلهة"آنوناكي".

وكانت طائفة من مشركي العرب تعبد الملائكة وتعدهم بنات الله ، وقد رووا في تفسير قوله تعالى:"إن يدعون من دونه إلا إناثا": النساء: 117 أنهم كانوا يسمون آلهتهم إناثا ، وكانوا يقولون: أنثى بني فلان يعنون به الصنم الذي يعبدونه.

ومنهم من قال: إن قوم إبراهيم (عليه السلام) كانوا يعدون الشمس من الذكور وقد أثبتوا لها زوجة يسمونها"أنونيت"فاحتفظ في الكلام على ظاهر عقيدتهم.

وفيه: أن اعتقادهم بكون الشمس ذكرا لا يصحح تبديل تأنيث لفظها تذكيرا.

على أن قوله (عليه السلام) للملك:"فأت بها من المغرب": البقرة: 258 وهو يريد الشمس ينافي ذلك.

ومنهم من قال: إن إبراهيم (عليه السلام) كان يتكلم باللغة السريانية وهي لغة قومه ، ولا يفرق فيها في الضمائر وأسماء الإشارة بالتذكير والتأنيث بل الجميع على صفة التذكير ، وقد احتفظ القرآن الكريم في حكاية قوله على ما أتى به من التذكير.

وفيه: منع جواز ذلك فإنه أمر راجع إلى أحكام الألفاظ المختلفة باختلاف اللغات بل إنما يجوز ذلك فيما يرجع إلى المعنى الذي لا يؤثر في الخصوصية اللفظية ، على أنه تعالى حكى عن إبراهيم (عليه السلام) احتجاجات كثيرة وأدعية وافرة في القرآن وفيها موارد كثيرة اعتبر فيها التأنيث فما بال هذا المورد اختص من بينها بإلغاء جهة التأنيث؟ حتى أن قوله فيما يحاج به ملك بابل:"إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر": البقرة: 258 ويتضمن ذكر الشمس وتأنيث الضمير العائد إليها.

ومن عجيب ما أورد على هذا الوجه ما ذكره بعض المفسرين وأصر عليه: أن إبراهيم (عليه السلام) وكذا إسماعيل وهاجر كانوا يتكلمون باللغة العربية القديمة ، وأنها كانت لغة قومه ، قال ما ملخصه: إنه ثبت عند علماء الآثار القديمة ، أن عرب الجزيرة قد استعمروا منذ فجر التاريخ بلاد الكلدان ومصر وغلبت لغتهم فيهما ، وصرح بعضهم بأن الملك حموربي الذي كان معاصرا لإبراهيم (عليه السلام) عربي وحموربي هذا ملك البر والسلام ووصف في العهد العتيق بأنه كاهن الله العلي ، وذكر فيه أنه بارك إبراهيم ، وأن إبراهيم أعطاه العشرة من كل شيء ، قال: ومن المعروف في كتب الحديث والتاريخ العربي أن إبراهيم أسكن إسماعيل ابنه (عليه السلام) مع أمه هاجر المصرية في الواد الذي بنيت فيه مكة بعد ذلك ، وأن الله سخر لهما جماعة من جرهم سكنوا معهما هنالك ، وأن إبراهيم (عليه السلام) كان يزورهما ، وأنه هو وولده إسماعيل بنيا بيت الله الحرام ونشرا دين الإسلام في البلاد العربية ، وفي الحديث: أن إبراهيم (عليه السلام) جاء مكة ليزور ابنه وقد خرج إلى الصيد فكلم زوجته وكانت جرهمية فلم يرتض أمرها ثم جاءها بعد مدة ليزوره فلم يجده فكلم زوجته الأخرى فدعته إلى النزول وغسل رأسه فارتضى أمرها ودعا لها ، وكل ذلك يدل على أنه كان يتكلم بالعربية ، هذا ملخص ما ذكره.

وفيه: أن مجاورة عرب الجزيرة مصر وكلدان واختلاطهم بهم أو استعمارهم واستيلاؤهم عليهم لا يوجب تبدل لغاتهم إلى العربية ، وقد كانت لغة مصر قبطية ولغة كلدان والآشوريين سريانية ، نعم ربما أوجب ذلك دخول أسماء وألفاظ من لغة بعضهم في لغة بعض كما يوجد في القرآن الكريم أمثال القسطاس والإستبرق وغيرهما وهي من الدخيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت