فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و أما ما ذكره من أمر حموربي ومعاصرته لإبراهيم (عليه السلام) فلا يطابق ما هو الصحيح من تاريخه ويؤيده الآثار المكشوفة من خرائب بابل والنصب المستخرجة التي كتبت فيها شريعته التي وضعها وأجراها في مملكته وهي أقدم القوانين المدونة في العالم على ما بلغنا ، وقد ذكر بعضهم أن أيام ملكه كانت بين 1728 ق م و1686 ق م ، وذكر آخرون: أنه تملك بابل سنة 2287 - 2232 ق م وكان إبراهيم (عليه السلام) يعيش في حدود سنة 2000 ق م ، وحموربي هذا وثني ، وقد استمد فيما وجد من كلامه المنقوش في ذيل شريعته المنقوشة على النصب بعده من الآلهة لبقاء شريعته وعمل الناس بها وتدمير من أراد نسخها أو مخالفتها وأما ما ذكره من حديث إسكانه ابنه وأم ولده بتهامة وبناء بيت الله الحرام ونشر دين الله وتفاهمه مع العرب فشيء من ذلك لا يدل على كونه (عليه السلام) متكلما باللغة العربية وهو ظاهر.
ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: قوله:"فلما رءا الشمس بازغة"إلخ - كما سمعت - يدل على اتصال ما بعد"فلما"بما قبله وهو قوله:"فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين"فهو يدل على أن القمر قد كان غرب حينما رأى (عليه السلام) الشمس بازغة ، وهذا إنما يكون في الخريف أو الشتاء في العرض الشمالي الذي كانت فيه بلاد كلدان حين يطول الليالي وخاصة إذا كان القمر في شيء من البروج الجنوبية كالقوس والجدي فعند ذلك يجيز الوضع السماوي أن يغرب القمر في النصف الأخير من الشهر القمري قبل طلوع الشمس ، وقد تقدم سابقا في قوله تعالى:"فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ، فلما رءا القمر بازغا قال هذا ربي"أن ظاهر الكلام المؤيد بالاعتبار يدل على أن الليلة كانت من ليالي النصف الأخير من الشهر القمري ، وكان الكوكب هي الزهرة ، شاهدها أولا في المغرب حال الانحطاط ثم شاهد غروبها وطلوع القمر من ناحية المشرق.
فيتحصل من الآيات أن إبراهيم (عليه السلام) حاج قومه في أمر الأصنام يوم حاجهم واشتغل بهم يومه ذلك حتى جن عليه الليل فلما جن عليه الليل رأى الزهرة وقوم يعبدونها فجاراهم في ربوبيتها وأخذ ينتظر ما يحل بها من حال حتى أفلت بعد سويعات فحاجهم به وتبرأ من ربوبيتها ، ثم رأى القمر بازغا وهناك قوم يعبدونه فجاراهم في ربوبيته بقوله:"هذا ربي"وأخذ يراقب ما يحدث به حتى أفل ، وكانت الليلة من الليالي الطوال في النصف الثاني من الشهر القمري ولعل القمر كان يسير في قوس قصير من أقواس المدارات الجنوبية فلما أفل تبرأ من ربوبيته ، وأخذ يستهدي ربه ويستعيذ به من الضلال حتى طلعت الشمس فرآها بازغة وأكبر بالنسبة إلى ما تقدمها من الكوكب والقمر فعاد كذلك إلى مجاراتهم في ربوبيتها مع ما لاح له من بطلان ربوبية الكوكب والقمر وهما مثلها في كونها جرما سماويا نيرا لكنه اتخذ كونها أكبر منها عذرا يعتذر به فيما يفترضه أو يسلمه من ربوبيتها فقال:"هذا ربي هذا أكبر"وأخذ ينتظر مستقبل الأمر حتى أفلت فتبرأ من ربوبيتها وشرك قومه فقال:"يا قوم إني بريء مما تشركون"ثم أثبت الربوبية لله سبحانه كما كان يثبت الألوهية بمعنى إيجاد السماوات والأرض وفطرها له تعالى فقال:"إني وجهت وجهي - وهو العبودية قبال الربوبية - للذي فطر السماوات والأرض حنيفا - غير منحرف من حاق الوسط إلى يمين أو يسار - وما أنا من المشركين - بإشراك شيء من خلقه ومفطوراته له تعالى في العبادة والإسلام -".
وقد تقدم أن قوله تعالى في ضمن الآيات محفوفا بها:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين"يدل على أنه (عليه السلام) إنما كان يأخذ ما يلقيه من الحجة على أبيه وقومه مما كان يشاهده من ملكوت السماوات والأرض ، وقد أفاض الله سبحانه اليقين الذي ذكره غاية لإراءته الملكوت على قلبه بهذه المشاهدة والرؤية.
وهذا أوضح شاهد على أن الذي ذكره (عليه السلام) من الحجة كانت حجة برهانية ترتضع من ثدي اليقين ، وقد أورد في ذلك قوله:"لا أحب الآفلين"وتقدمت الإشارة إلى تقريره.