فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فتبين من جميع ما تقدم: أولا: أن قوله (عليه السلام) :"لا أحب الآفلين"حجة برهانية يقينية بني الكلام فيه على عدم حبه للآفلين ، ومنافاة الأفول للربوبية ، ويظهر من كلام بعضهم أنه يأخذه حجة عامية غير برهانية إذ يقول: والصواب أن الكلام كان تعريضا خفيا لا برهانا نظريا جليا يعرض فيه بجهل قومه في عبادة الكواكب أنهم يعبدون ما يتحجب عنهم ، ولا يدري شيئا من أمر عبادتهم ، وهذا هو السبب في جعله الأفول منافيا للربوبية دون البزوغ والظهور بل بنى عليه القول بها فإن من صفات الرب أن يكون ظاهرا وإن لم يكن ظهوره كظهور غيره من خلقه ، هذا.
وقد خفي عليه أولا: أن وضع قوله:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين"بين الآيات المتضمنة لحججه ع أدل دليل على كون حججه مأخوذة من مشهوداته الملكوتية التي هي ملاك يقينه بالله وآياته وكيف يتصور مع ذلك كونها حجة عامية غير برهانية.
وخفي عليه ثانيا أن الحجة بنيت على الحب وعدمه لا على الأفول مضافا إلى أن البناء على الأفول أيضا لا يخرجها عن كونها برهانية فهو (عليه السلام) إنما ذكر سبب براءته من ربوبيتها أنه وجدها آفلة غاربة وهو لا يحب الآفلين فلا يعبدها ، ومن المعلوم أن عبادة الإنسان لربه إنما هي لأنه رب أي لأنه يدبر أمر الإنسان فيفيض عليه الحياة والرزق والصحة والخصب والأمن والقدرة والعلم إلى غير ذلك مما يحتاج إليه في بقائه فهو متعلق الوجود بربه من كل جهة ، ومن فطريات الإنسان أن يحب ما يسعده مما يحتاج إليه وأن يحب من يسعده بذلك لا يرتاب فيه ذو ريب البتة فإنما يعبد الرب لأن الإنسان يحبه لجلبه المنافع إليه أو لدفعه المضار عنه أو لهما جميعا.
ومن فطريات الإنسان أيضا أنه لا تتعلق نفسه بما لا بقاء له إلا أن يحول حرص أو شبق أو نحوهما نظره إلى جهة اللذة ويصرفه عن التأمل والإمعان في جهة فنائه وزواله ، وقد استعمل القرآن الكريم هذه الطريقة كثيرا في ذم الدنيا ، وردع الناس عن التعلق المفرط بزينتها والانهماك في شهواتها كقوله:"إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس": يونس: 24 وقوله:"ما عندكم ينفد وما عند الله باق": النحل: 96 وقوله:"و ما عند الله خير وأبقى": الشورى: 36.
فهو (عليه السلام) يفيد بقوله:"لا أحب الآفلين"أن الذي من شأنه أن يفقده الإنسان ويغيب عنه ولا يبقى ولا يثبت له لا يستحق أن يحبه الإنسان وتتعلق به نفسه ، والرب الذي يعبده الإنسان يجب أن يحبه فيجب أن لا يكون من شأنه أن يأفل عنه ويفقد فهذه الأجرام الآفلة لا تستحق اسم الربوبية ، وهذه - كما ترى - حجة يعرفها العامة والخاصة.
وقد خلط ثالثا بين البزوغ والظهور فحكم أنه غير مناف للربوبية بل القول مبني عليه فإن من صفات الرب أن يكون ظاهرا إلى آخر ما قال فإن الذي ذكر في الآية - ولم يبن الحجة عليه - هو البزوغ وهو الطلوع والظهور بعد خفاء المنافي للربوبية فيبقى السؤال: لم بنى الكلام على الأفول دون البزوغ؟ على حاله.
وثانيا: أن أخذ الأفول في الحجة دون البزوغ إنما هو لأن البزوغ لا يستوجب عدم الحب الذي بنى الحجة عليه بخلاف الأفول ، وبذلك يظهر ما في قول الكشاف في وجه العدول ، قال:"فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟ قلت: الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب"انتهى.
فإن الاحتجاج كما عرفت إنما هو بعدم تعلق الحب لا بالأفول حتى يوجه العدول إليه من البزوغ بما ذكره.
وثالثا: أن الاحتجاج إنما أريد به نفي ربوبية الأجرام الثلاثة بمعنى تدبيرها للعالم الأرضي أو العالم الإنساني لا الربوبية بمعنى المقام الذي ينتهي إليه الإيجاد والتدبير جميعا فإن الوثنية وعبدة الكواكب لا ينكرون أن آلهتهم ليست أربابا بهذا المعنى ، وأنه الله الواحد لا شريك له.