فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و من هنا يظهر ما في قول بعضهم: إن الأفول إنما أخذ مبدأ للبرهان لأنه يستلزم الإمكان ، وكل ممكن محتاج يجب أن يقف سلسلة حاجته عند موجود واجب الوجود ، وكذا ما في قول آخرين: إن الأفول إنما ينفي الربوبية عن المتصف به لأنه حركة ، ولا بد لكل حركة من محرك ، وينتهي لا محالة إلى محرك غير متحرك وثابت غير متغير بذاته وهو الله عز اسمه.
وذلك أنهما وإن كانا حجتين برهانيتين غير أنهما تنفيان عن الممكنات وعن المتحركات الربوبية بمعنى العلية الأولى التي ينتهي إليها جميع العلل ، وسببية الإيجاد والتدبير التي يقف عندها جميع الأسباب ، وعبدة الكواكب من الصابئين وغيرهم وإن ذهبوا إلى أن كل جرم سماوي قديم زماني غير قابل للكون والفساد متحرك بحركة دائمة غير أنهم لا ينكرون أن جميعها معلولة لإمكانها غير مستغنية لا في وجودها ولا في آثار وجودها عن الواجب عز اسمه.
فالحجتان إنما هما قائمتان على منكري وجود الصانع من الطبيعيين لا الصابئين وعبدة أرباب الأنواع وغيرهم من الوثنيين ، وإبراهيم (عليه السلام) إنما كان يحاج هؤلاء دون أولئك.
على أنك عرفت أن الحجة لم تركب من جهة الأفول بل من جهة عدم تعلق الحب بشيء من شأنه الأفول والغروب.
وأما من دفع ما ذكروه من تقرير الحجة من جهة الإمكان أو الحركة بأن تفسير الأفول بذلك تفسير للشيء بما يباينه فإن العرب لا يعرفون الأفول بمعنى الإمكان أو الحدوث وكذلك تفسير الأفول بالتغير والحركة غلط كسابقه.
فقد خفي عليه أن هؤلاء لا يقولون: إن الأفول في الآية بمعنى الإمكان أو بمعنى الحركة ، وإنما يقولون: إن الأفول إنما احتج به لاستلزامه الإمكان أو الحركة والتغير ، وأما الأفول بمعنى الغيبة بعد الحضور والخفاء بعد الظهور مع قطع النظر عن استلزامه الإمكان أو التغير غير اللائقين بساحة الواجب جل ثناؤه فليس ينافي الربوبية كما اعترف به هذا المورد نفسه.
وذلك أن الواجب تعالى أيضا غائب عن مشاعرنا من غير أن يتحول عليه الحال ويطرأ عليه التغير بالغيبة بعد الحضور والخفاء بعد الظهور ، ولا ينفع القول بأن الغيبة والخفاء فيه تعالى من جهتنا لا من جهته ولاشتغالنا بما يصرفنا عنه لا لمحدودية وجوده وقصور استيلائه فإن غيبة هذه الأجرام السماوية وخاصة الشمس بالحركة اليومية أيضا من قبلنا حيث أنا أجزاء من الأرض التي تتحرك بحركتها اليومية فتحولنا بها من مسامتة هذه الأجرام ومواجهتها إلى خلاف ذلك فنغرب عنها في الحقيقة بعد طلوعنا عليها وإن كان الخطأ الحسي يخيل لنا غيره.
وقد أراد الرازي أن يجمع بين الوجوه جميعا فقال في تفسيره ما نصه: الأفول عبارة عن غيبوبة الشيء بعد ظهوره وإذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل فيقول: الأفول إنما يدل على الحدوث من حيث إنه حركة ، وعلى هذا التقدير فيكون الطلوع أيضا دليلا على الحدوث فلم ترك إبراهيم (عليه السلام) الاستدلال على حدوثها بالطوع وعول في إثبات هذا المطلوب على الأفول؟.
والجواب: لا شك أن الطلوع والغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى الله لا بد وأن يكون ظاهرا جليا بحيث يشترك في فهمه الذكي والغبي والعاقل ، ودلالة الحركة على الحدوث وإن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق ، أما دلالة الأفول فإنها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد فإن الكوكب يزول سلطانه وقت الأفول فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتم.
وأيضا قال بعض المحققين: الهوي في خطرة الإمكان أفول وأحسن الكلام ما تحصل فيه حصة الخواص وحصة الأوساط وحصة العوام: فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان وكل ممكن محتاج لا يكون مقطوع الحاجة فلا بد من الانتهاء إلى من يكون منزها عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال: وأن إلى ربك المنتهى.
وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة فكل متحرك محدث ، وكل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر فلا يكون الآفل إلها بل الإله هو الذي يحتاج إليه ذلك الآفل.