فهرس الكتاب

الصفحة 1434 من 4314

و أما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب ، وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول والغروب فإنه يزول نوره ، وينتقص ضوؤه ، ويذهب سلطانه ، ويكون كالمعزول ، ومن يكون كذلك لا يصلح للإلهية ، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله"لا أحب الآفلين"كلمة مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فكانت أكمل الدلائل وأفضل البراهين.

وفيه دقيقة أخرى ، وهو أنه (عليه السلام) إنما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين ، ومذهب أصحاب النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعدا إلى وسط السماء كان قويا عظيم التأثير ، أما إذا كان غربيا وقريبا من الأفول فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان ، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي يكون ضعيف القوة ناقص التأثير عاجز عن التدبير ، وذلك يدل على القدح في إلهيته فظهر على قول المنجمين أن للأفول مزيد خاصية في كونه موجبا للقدح في إلهيته"انتهى موضع الحاجة من كلامه على طوله."

وأنت بالتأمل في ما تقدم تقف على أن ما تفنن به من تقسيم البرهان إلى حصص مختلفة باختلاف النفوس ، وتقريره بوجوه شتى لا لفظ الآية يدل عليه ، ولا شبهة الصابئين وأصحاب النجوم تندفع به فإنهم لا يرون الجرم السماوي إلها واجب الوجود غير متناهي القدرة ذا قوة مطلقة ، وإنما يرونه ممكنا معلولا ذا حركة دائمة يدبر بحركته ما دونه من العالم الأرضي ، وشيء مما ذكره من الوجوه لا يدفع هذه النظرية ، وكأنه تنبه لهذا الإشكال بعد كلامه المنقول آنفا فبسط في الكلام وأطنب في الخروج من العويصة بما لا يجدي شيئا.

على أن الحجة الثانية على ما قرره حجة غير تامة فإن الحركة إنما تدل على حدوث المتحرك من حيث وصفه وهو التحرك لا من حيث ذاته ، وتمام الكلام في ذلك موكول إلى محله ، والمصير إلى ما قدمناه في تقرير الحجة من جهة الحركة.

ورابعا: أن إبراهيم (عليه السلام) إنما ساق هذه الحجج بحسب ما كان الله سبحانه يريه ملكوت السماوات والأرض ، وبحسب ما يسمح له جريان محاجته أباه وقومه آخذا بالمحسوس المعاين إما لأنه لم يكن رأى تفصيل الحوادث السماوية والأرضية اليومية كما تقدمت الإشارة إليه أو لأنه أراد أن يحاجهم بما تحت حسهم فأورد قوله"هذا ربي"لما شاهد شيئا من الأجرام الثلاثة لامعا بازغا ، وأورد قوله"لا أحب الآفلين"أو ما في معناه لما شاهد أفولها.

وبذلك يظهر الجواب عما يمكن أن يقال: إن قوله:"فلما جن عليه الليل رءا كوكبا"يدل على أنه (عليه السلام) كان في النهار المتصل بذلك الليل شاهد قومه فما باله لم يذكر الشمس لينفي ربوبيتها.

فإن من المحتمل أن يكون قد خرج إلى قومه للمحاجة والوقت لا يسع أزيد مما حاج به أباه وقومه في أمر الأصنام فكان يحاجهم طول النهار أو مدة ما أدركه من النهار عند قومه حتى إذا تمم الحجاج لم يلبث دون أن جن عليه الليل ، وهناك محتملات أخر كغيم في الهواء أو حضور قومه للصلوات والقرابين في أول الطلوع فحسب وقد كان يريد أن يواجههم فيما يلقيه إليهم.

وخامسا: أن الآيات كما قيل تدل على أن الهداية من الله سبحانه وأما الإضلال فلم ينسب إليه تعالى في هذه الآيات بل دل قوله:"لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين"بعض الدلالة على أن من شأن الإنسان بحسب ما يقتضيه نقص نفسه أن يتصف بالضلال لو لم يهده ربه ، وهو الذي يستفاد من قوله تعالى:"و لو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا": النور: 21 وقوله:"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء": القصص: 56 إلى غير ذلك من الآيات.

نعم هناك آيات تنسب إليه تعالى الإضلال لكن أمثال قوله:"و ما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26 تبين أن الضلال المنسوب إليه تعالى هو الإضلال الواقع بحسب المجازاة دون الإضلال الابتدائي ، وقد تقدم البحث في تفسير الآية في الجزء الأول من هذا الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت