فهرس الكتاب

الصفحة 1435 من 4314

و سادسا: أنه (عليه السلام) أخذ في حجته لإبطال ربوبية الأجرام الثلاثة أنه لا يحب الآفل لأفوله وهو أن يفقده الإنسان بعد أن يجده فهو الوصف الذي لا يتعلق به الحب المسوغ للعبادة ، وإذ كان ذلك وصفا مطردا في جميع الجسمانيات التي تسير إلى الزوال والفوت والهلاك والبيد كانت الحجة قاطعة على كل شرك ووثنية حتى على ما يظهر من بعض الوثنيين من القول بألوهية أرباب الأنواع والموجودات النورية التي يذعنون بوجودها وأنها فوق المادة والطبيعة متعالية عن الجسمية والحركة فإنهم يصرحون بأنها على ما لها من صفاء الجوهر وشرف الوجود مستهلكة تجاه النور القيومي ، مستذلة تحت القهر الأحدي ، وإذ كان هذه صفة ما يدعونه فلو توجه تلقاءها حب لم يتعلق إلا بمن يدبر أمرها ويصلح شأنها لا بها.

قوله تعالى:"إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض"إلى آخر الآية.

ذكر الراغب في المفردات: ، أن أصل الفطر الشق طولا يقال: فطر فلان كذا فطرا وأفطر هو فطورا وانفطر انفطارا قال: هل ترى من فطور أي اختلال ووهي فيه ، وذلك قد يكون على سبيل الفساد ، وقد يكون على سبيل الصلاح قال: السماء منفطر به كان وعده مفعولا.

وفطرت الشاة حلبتها بإصبعين ، وفطرت العجين إذا عجنته فخبزته من وقته ، ومنه الفطرة ، وفطر الله الخلق وهو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال فقوله: فطرة الله التي فطر الناس عليها إشارة منه تعالى إلى ما فطر أي أبدع وركز في الناس من معرفته تعالى ، وفطرة الله هي ما ركز فيه من قوته على معرفة الإيمان وهو المشار إليه بقوله: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ، انتهى.

وذكر أيضا: أن الحنف هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة والجنف ميل عن الاستقامة إلى الضلال قال: وسمت العرب كل من حج أو اختتن حنيفا تنبيها على أنه على دين إبراهيم (عليه السلام) والأحنف من في رجله ميل ، قيل: سمي بذلك على التفاؤل وقيل: بل استعير للميل المجرد ، انتهى.

لما تبرأ (عليه السلام) من شركهم وشركائهم بقوله:"يا قوم إني بريء"إلخ ، وقد سلك إليه تدريجا بإظهار عدم تعلق قلبه بالشريك حيث قال:"لا أحب الآفلين"ثم الإيماء إلى كون عبادة الشريك ضلالا حيث قال:"لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين"ثم التبري الصريح من ذلك بقوله:"يا قوم إني بريء مما تشركون"رجع إلى توحيده التام في الربوبية ، وهو إثبات الربوبية والمعبودية للذي فطر السماوات والأرض ، ونفي الشرك عن نفسه فقال:"إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا".

فتوجيه الوجه كناية عن الإقبال إلى الله سبحانه بالعبادة فإن لازم العبودية والمربوبية أن يتعلق العبد المربوب بربه في قوته وإرادته ، ويدعوه ويرجع إليه في جميع أعماله ، ولا يكون دعاء ولا رجوع إلا بتوجيه الوجه والإقبال إليه فكنى بتوجيه الوجه عن العبادة التي هي دعاء ورجوع.

وذكر ربه وهو الله سبحانه الذي وجه وجهه إليه ، بنعته الذي يخصه بلا نزاع فيه وهو فطر السماوات والأرض ، وجاء بالموصول والصلة ليدل على العهد فلا يشتبه الأمر على أحد منهم فقال: للذي فطر السماوات والأرض أي إني أقبلت بعبادتي على من ينتهي إليه إيجاد كل شيء وإبداعه ، وهو الذي يثبته ويثبتونه فوق الجميع.

ثم نفى غيره مما يدعونه شريكا بقوله:"حنيفا"أي مائلا إليه عن غيره نافيا للشريك عنه ، وأكده بقوله:"و ما أنا من المشركين"فأفاد مجموع قوله:"إني وجهت"إلخ ، إثبات المعبودية لله تعالى ونفي الشريك عنه قريبا مما تفيده الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله.

واللام في قوله:"للذي"للغاية وتفيد معنى إلى ، وكثيرا ما تستعمل في الغاية اللام كما تستعمل"إلى"قال:"أسلم وجهه لله": البقرة: 11"و من يسلم وجهه إلى الله": لقمان: 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت