فهرس الكتاب

الصفحة 1437 من 4314

هذا ما يعطيه ظاهر الآية بالتبادر إلى الذهن لكن هناك معنى أدق من ذلك يظهر بالتدبر وهو أن قوله:"و قد هدان"استدلال بنفس الهداية لا استغناء بالهداية عن الاستدلال وتقريره أن الله هداني بما علمني من الحجة على نفي ربوبية ، غيره وإثبات ربوبيته ونفس هدايته دليل على أنه رب ولا رب غيره فإن الهداية إلى الرب من جملة التدبير فهي شأن من هو رب ، ولو لم يكن الله سبحانه هو ربي لم يكن ليهديني ولأقام بها إلى الذي هو الرب لكن الله هو هداني فهو ربي.

ولم يكن لهم أن يقولوا: إن الذي علمك ما علمت وألهمك الحجة هو بعض آلهتنا لأن الشيء لا يهدي إلى ما يضره ويميت ذكره ويفسد أمره فاهتداؤه (عليه السلام) إلى نفي ربوبيتها لا يصح أن ينسب إليها ، هذا.

ولكن كان لهم أن يقولوا أو أنهم قالوا: إن ذلك من فعل بعض آلهتنا فعل بك ذلك قهرا وسخطا أبعدك عن القول بربوبيتها ولقنك هذه الحجج لما وجد من فساد رأيك وعلة نفسك نظير ما شافهت به عاد هودا (عليه السلام) لما دعاهم إلى توحيد الله سبحانه واحتج عليهم بأن الله هو الذي يجب أن يرجى ويخاف ، وأن آلهتهم لا تنفع ولا تضر فردوا عليه بأن بعض آلهتنا اعتراك بسوء قال تعالى في قصتهم حكاية عن هود (عليه السلام) :"و يا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ، قالوا يا هود - إلى أن قال - إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون ، من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون": هود: 55.

فقوله (عليه السلام) :"و لا أخاف ما تشركون به"إلخ ، ينفي هذه الشبهة وكما أنه ينفي هذه الشبهة فإنه حجة تامة تنفي ربوبية شركائهم.

ومحصله: أنكم تدعونني إلى القول بربوبية شركائكم ورفض القول بربوبية ربي بما تخافونني من أن تمسني شركاؤكم بسوء ، وترهبونني بإلقاء الشبهة فيما اهتديت به ، وإني لا أخاف ما تشركون به لأنها جميعا مخلوقات مدبرة لا تملك نفعا ولا ضرا وإذ لم أخفها سقطت حجتكم وارتفعت شبهتكم.

ولو كنت خفتها لم يكن الخوف الحاصل في نفسي من صنع شركائكم لأنها لا تقدر على شيء بل كان من صنع ربي وكان هو الذي شاء أن أخاف شركاءكم فخفتها فكان هذا الخوف دليلا آخر على ربوبيته وآية أخرى من آيات توحيده يوجب إخلاص العبادة له لا دليلا على ربوبية شركائكم وحجة توجب عبادتها.

والدليل على أن ذلك من ربي أنه وسع كل شيء علما فهو يعلم كل ما يحدث ويجري من خير وشر في مملكته التي أوجدها لغايات صحيحة متقنة ، وكيف يمكن أن يعلم في ملكه بشيء ينفع أو يضر فيسكت ولا يستقبله بأحد أمرين: إما المنع أو الإذن؟.

فلو حصل في نفسي شيء من الخوف لكان بمشية من الله وإذن على ما يليق بساحة قدسه ، وكان ذلك من التدبير الدال على ربوبيته ونفي ربوبية غيره أ فلا تتذكرون وترجعون إلى ما تدركونه بعقولكم وتهدي إليه فطرتكم.

فهذا وجه في تقرير الحجة المودعة في قوله:"و لا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي وسع ربي كل شيء علما أ فلا تتذكرون"وعلى ذلك فقوله:"و لا أخاف ما تشركون به"كالمتمم للحجة في قوله:"أ تحاجوني في الله وقد هدان"وهو مع ذلك حجة تامة في نفسه لإبطال ربوبية شركائهم بعدم الخوف منها ، وقوله:"إلا أن يشاء ربي شيئا"كالكلام في الحجة على تقدير التسليم أي تحتجون على وجوب عبادتها بالخوف ولا خوف في نفسي ، ولو فرض خوف لكان دليلا على ربوبية ربي لا على ربوبية شركائكم فإنه عن مشية من ربي ، وقوله:"وسع ربي كل شيء علما"بيان وتعليل لكون الخوف المفروض مستندا إلى مشية ربه فإن فاطر السماوات والأرض لا يجهل ما يقع في ملكه فلا يقع إلا بإذن منه فهو الذي يدبر أمره ويقوم بربوبيته ، وقوله:"أ فلا تتذكرون"استفهام توبيخي وإشارة إلى أن الحجة فطرية ، هذا.

وللمفسرين في الآية أقوال: أما قوله تعالى:"قال أ تحاجوني في الله وقد هدان"فقد أورد أكثرهم فيه الوجه الأول من الوجهين اللذين قدمناهما ، ومحصله أنه يرد اعتراضهم على توحيده بأنه غني عن المحاجة في ذلك فإن الله هداه ولا حاجة معها إلى المحاجة لكن ظاهر السياق أنه في مقام المحاجة ولازمه أن كلامه احتجاج للتوحيد الاستغناء عن الاحتجاج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت