فهرس الكتاب

الصفحة 1438 من 4314

و أما قوله تعالى:"لا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا"فقد ذكروا في الصدر قريبا مما قدمناه ، وأما الاستثناء فقيل: معناه إلا أن يغلب ربي هذه الأصنام التي تخوفونني بها فيحييها ويقدرها فتضر وتنفع فيكون ضررها ونفعها إذ ذاك دليلا على حدوثها وعلى توحيد الله سبحانه ، وبعبارة أخرى: المعنى أني لا أخافها في حال من الحالات إلا أن يشاء ربي أن تحيا هؤلاء الشركاء فتضر وتنفع فأخافها وإذ ذاك كانت الربوبية لله وتبين حدوث شركائكم.

وهذا الوجه وإن كان قريبا مما قدمناه بوجه لكن نسبة النفع والضر إلى الشركاء لو كانت أحياء - مع أن بعضها أحياء عندهم كالملائكة وأرباب الأنواع وبعضها يضر وينفع بحسب ظاهر النسبة كالشمس - تخالف التعليم الإلهي في كتابه فإن القرآن يصرح أن لا يملك نفعا ولا ضررا إلا الله سبحانه.

وكذلك ما ذكر من دلالة ذلك على حدوث شركائهم أمر لا يضر أهل الأوثان فإنهم كما عرفت لا ينكرون كون الأصنام ولا أربابها معلولة لله مخلوقة له ، والقول بالقدم الزماني في بعضها لا ينافي إمكانها ولا معلوليتها عندهم.

وقيل: إن معنى الاستثناء أني لا أخاف شركاءكم وأستثني من عموم الخوف في الأوقات أن يشاء ربي أن يعذبني ببعض ذنوبي أو يصيبني بمكروه ابتداء ، وبعبارة أخرى الجملة استثناء من معنى أعم مما يدل عليه الجملة السابقة فقد دل قوله:"و لا أخاف"إلخ ، على نفي الخوف من شركائهم ، وقوله:"إلا أن يشاء"إلخ ، استثناء من كل خوف فالتقدير: لا أخاف ما تشركون به ولا شيئا آخر إلا من أن يشاء ربي شيئا أكرهه ابتداء أو جزاء فإني أخافه ، ووجه التعسف في هذا المعنى لا يحتاج إلى بيان.

وأما قوله:"وسع ربي كل شيء علما"فقد قيل.

إنه ثناء منه (عليه السلام) لربه بعد إتمام الحجة.

وقيل: إنه تعريض بأصنامهم حيث إنها لا تعلم شيئا ولا تشعر ، ويرد عليه أن التعريض بمثل القدرة أقرب إلى اقتضاء المقام من التعريض بالعلم فما وجه العدول عن القدرة إلى العلم؟ والإشكال جار في الوجه السابق.

وقيل: إنه لما استثنى ما يشاؤه ربه مما يقع عليه من المكاره بين بقوله:"وسع ربي كل شيء علما"أنه تعالى علام الغيوب فلا يفعل إلا الصلاح والخير والحكمة.

وفيه أن الأنسب حينئذ أن يذكر الحكمة مكان العلم ولا أقل من أن يذكر الحكمة مع العلم كما في أغلب الموارد.

وقيل: إنه كالتعليل للاستثناء بجواز أن يكون قد سبق في علمه تعالى أصابته بسوء تكون سببه الأصنام كأن يشاء أن يسقط صنم عليه فيشجه أو تؤثر فيه حرارة الشمس فتمرضه أو تقتله ، وفيه أن التمسك بالقدرة أو الحكمة أنسب للتعليل من العلم.

وقيل: معناه أن علم ربي وسع كل شيء وأحاط به ومشيئته مرتبطة بعلمه المحيط القديم وقدرته منفذة لمشيئته فلا يمكن أن يكون لشيء من المخلوقات التي تعبدونها ولا لغيرها تأثير ما في صفاته ، ولا في أفعاله الصادرة عنها لا بشفاعة ولا غيرها وإنما يكون ذلك لو كان علم الله تعالى غير محيط بكل شيء فيعلمه الشفعاء والوسطاء من وجوه مرجحات الفعل أو الترك بالشفاعة أو غيرها ما لم يكن يعلم فيكون ذلك هو الحامل له على الضر أو النفع أو العطاء أو المنع.

قال هذا القائل: أخذنا هذا المعنى لهذه الجملة من حجج الله تعالى على نفي الشفاعة الشركية بمثل قوله:"من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء".

قال: وهذا أرجح الوجوه ، وهو من قبيل تفسير القرآن بالقرآن ، انتهى ملخصا.

ومحصله أن قوله:"وسع ربي كل شيء علما"بيان وتعليل لعموم نفي الخوف من الآلهة وغيرها كأنه قال: لا أخاف ضر شيء من آلهتكم وغيرها من المخلوقات فإن ربي يعلم كل شيء فيتمه بمشيئته وينفذه بقدرته فلا يحتاج إلى شفيع يعلمه ما جهل حتى يكون لها تأثير في أفعاله تعالى وشفاعة.

وأنت تعلم أن نفي هذا التأثير كما يحتاج إلى سعة علمه تعالى كذلك يحتاج إلى إطلاق القدرة والمشيئة - والمشيئة مع ذلك صفة فعل لا ذات كما يفرضه القائل - فما ذا تنفع سعة العلم لو لم يكن لقدرته ومشيئته إطلاق ، والشاهد عليه نفس كلامه الذي قرر فيه الوجه بالعلم والمشيئة والقدرة جميعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت