فهرس الكتاب

الصفحة 1448 من 4314

و الحق الذي لا مرية فيه أن الوحي الإلهي كان يعلم الأنبياء السالفين وأممهم أصولا كلية في المعاش والمعاد كأنواع من العبادة وسننا كلية في الخيرات والشرور يهتدي إلى تشخيصها الإنسان السليم العقل من المعاشرة الصالحة والتجنب عن الظلم والإسراف وإعانة المستكبرين ونحوها ، ثم يؤمرون بالدخول في المجتمعات بهذا التجهيز الذي جهزوا به ، والدعوة إلى أخذ الخير والصلاح ورفض الشر والفحشاء والفساد سواء كانت المجتمعات التي دخلوا فيها يدبرها استبداد الظلمة والطغاة أو رأفة العدول من السلاطين وسياستهم المنظمة.

ولم يشرع تفاصيل الأحكام قبل ظهور الدين الإسلامي إلا في التوراة وفيها أحكام يشابه بعضها بعض ما في شريعة حمورابي غير أن التوراة نزلها الله على موسى (عليه السلام) وكانت محفوظة في بني إسرائيل فقدوها في فتنة بخت نصر التي أفنت جمعهم وخربت هيكلهم ولم يبق منهم إلا شرذمة ساقتهم الإسارة إلى بابل فاستعبدوا واسكنوا فيه إلى أن فتح الملك كورش بابل وأعتقهم من الأسر وأجاز لهم الرجوع إلى بيت المقدس ، وأن يكتب لهم عزراء الكاهن التوراة بعد ما أعدمت نسخها ونسيت متون معارفها ، وقد اعتادوا بقوانين بابل الجارية بين الكلدانيين.

ومع هذا الحال كيف يحكم بأن الله أمضى في الشريعة الكليمية كثيرا من شرائع حمورابي ، والقرآن إنما يصدق من هذه التوراة بعض ما فيها ، وبعد ذلك كله لا مانع من كون بعض القوانين غير السماوية مشتملا على بعض المواد الصالحة والأحكام الحقة.

وفي الكافي ، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في قوله تعالى:"الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم قال: هو الشرك."

وفيه ، بطريق آخر عن أبي بصير عنه (عليه السلام) : في الآية قال: بشك: . أقول: ورواه العياشي أيضا في تفسيره ، عن أبي بصير عنه (عليه السلام) .

وفي تفسير العياشي ، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألت عن قول الله: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ، قال: نعوذ بالله يا با بصير أن نكون ممن لبس إيمانه بظلم ، ثم قال: أولئك الخوارج وأصحابهم.

وفيه ، عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في قوله: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ، قال: الضلال وما فوقه.

أقول: كأن المراد بالضلال في الرواية الشرك الذي هو أصل كل بما ظلم فوقه وما يزيد عليه من المعاصي والمظالم ، أو المراد بالضلال أدنى ما يتحقق به الظلم من المعاصي ، وبما فوقه الشرك الذي هو المرتبة الشديدة من الضلال فإن كل معصية ضلال.

والروايات - كما ترى - تتفنن في تفسير الظلم في الآية فتارة تفسرها بالشرك وتارة بالشك وتارة بما عليه الخوارج ، وفي بعضها: أن منه ولاية أعدائهم ، وكل ذلك من شواهد ما قدمنا أن الظلم في الآية مطلق وهو في إطلاقه ذو مراتب بحسب درجات الأفهام.

كلام في قصة إبراهيم (عليه السلام)

وشخصيته وفيه أبحاث مختلفة قرآنية وأخرى علمية وتاريخية وغير ذلك.

1 -قصة إبراهيم (عليه السلام)

في القرآن: كان إبراهيم (عليه السلام) في طفوليته إلى أوائل تمييزه يعيش في معزل من مجتمع قومه ثم خرج إليهم ولحق بأبيه فوجده وقومه يعبدون الأصنام فلم يرتض منه ومنهم ذلك وقد كانت فطرته طاهرة زاكية مؤيدة من الله سبحانه بالشهود الحق وإراءة ملكوت كل شيء وبالجملة وبالقول الحق والعمل الصالح.

فأخذ يحاج أباه في عبادته الأصنام ويدعوه إلى رفضها وتوحيد الله سبحانه واتباعه حتى يهديه إلى مستقيم الصراط ويبعده من ولاية الشيطان ، ولم يزل يحاجه ويلح عليه حتى زبره وطرده عن نفسه وأوعده أن يرجمه إن لم ينته عن ذكر آلهته بسوء والرغبة عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت