فهرس الكتاب

الصفحة 1447 من 4314

و قد عثر الباحثون على شرائع حمورابي الملك الصالح الذي كان في عهد إبراهيم وباركه وأخذ منه العشور - كما في سفر التكوين - فإذا هي كالتوراة في أكثر أحكامها وأما فرض الله الحج على لسان إبراهيم فقد كان في قوم ولده إسماعيل لا في قومه الكلدانيين وأما هذه الأمة فإن من موحديها من يعذبون بالمعاصي على قدرها لأنهم خوطبوا بشريعة كاملة يحاسبون على إقامتها ، انتهى.

وفي كلامه من التحكم ما لا يخفى فقد تقدم أن الملك حمورابي هذا كان يعيش على رأس سنة ألف وسبعمائة قبل المسيح ، وإبراهيم كان يعيش على رأس الألفين قبل المسيح تقريبا كما ذكره.

وحمورابي هذا وإن كان ملكا صالحا في دينه عادلا في رعيته ملتزما العمل بقوانين وضعها وعمل بإجرائها في مملكته أحسن إجراء وإنفاذ ، وهي أقدم القوانين المدنية الموضوعة على ما قيل إلا أنه كان وثنيا ، وقد استمد بعده من آلهة الوثنيين في ما كتبه بعد الفراغ عن كتابة شريعته على ما عثروا عليه في الآثار المكشوفة في خرائب بابل ، والآلهة التي ذكرها في بيانه الموضوع في ختام القانون ، وشكرها في أن آتته الملك العظيم ووفقته لبسط العدل ووضع الشريعة ، واستعان بها واستمد منها في حفظ شريعته عن الزوال والتحريف هي"ميروداخ"إله الآلهة ، وأي إله القانون والعدل والإله"زماما"والإله"إشتار"إله الحرب و"شاماش"الإله القاضي في السماء والأرض و"سين"إله السماوات ، و"حاداد"إله الخصب و"نيرغال"إله النصر و"بل"إله القدر والآلهة"بيلتيس"والآلهة"نينو"والإله"ساجيلا"وغيرها.

والذي ذكره من أن الله لم يكلف قوم إبراهيم شيئا غير التوحيد اكتفاء بتربية شرائعهم المدنية"إلخ"يكذبه أن القرآن يحكي عن لسان إبراهيم (عليه السلام) الصلاة كما في أدعيته في سورة إبراهيم ويذكر أن الله أوحى إليه فعل الخيرات وإيتاء الزكاة كما في سورة الأنبياء ، وأنه شرع الحج وأباح لحوم الأنعام كما في سورة الحج ، وكان من شريعته الاعتزال عن المشركين كما في سورة الممتحنة ، وكان ينهى عن كل ظلم لا ترتضيه الفطرة كما في سورة الأنعام وغيرها ، ومن شرعه التطهر كما تشير إليه سورة الحج ووردت الأخبار أنه (عليه السلام) شرع الحنيفية وهي عشر خصال: خمس في الرأس وخمس في البدن ومنها الختنة ، وكان يحيي بالسلام كما في سورة هود ومريم.

وقد قال الله تعالى:"ملة أبيكم إبراهيم": الحج: 78 وقال:"قل بل ملة إبراهيم حنيفا": البقرة: 135 فوصف هذا الدين على ما له من الأصول والفروع بأنه ملة إبراهيم (عليه السلام) ، وهذا وإن لم يدل على أن هذا الدين على ما فيه من تفاصيل الأحكام كان مشرعا في زمن إبراهيم (عليه السلام) بل الأمر بالعكس كما يدل عليه قوله:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى": الشورى: 13 إلا أنه يدل على أن شرائعه راجعة إلى أصل أو أصول كلية تهدي إليها الفطرة مما ترتضيه وتأمر به أو لا ترتضيه وتنهى عنه قال تعالى في آخر هذه السورة بعد ما ذكر حججا على الشرك وجملا من الأوامر والنواهي الكلية مخاطبا نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) :"قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ، دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين": الأنعام: 161.

ولو كان الأمر على ما ذكره أن الله لم يشرع لإبراهيم (عليه السلام) شريعة بل اكتفى بما بين يديه من القانون المدني الدائر وهو شريعة حمورابي لكانت الشريعة المذكورة ممضاة مصوبة من عند الله ، وكانت من أجزاء دين إبراهيم (عليه السلام) بل الدين الإسلامي الذي شرع في القرآن لأنه هو ملة إبراهيم حنيفا فكانت إحدى الشرائع الإلهية ونوعا من الكتب السماوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت