فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و في صحيح البخاري ، بطرق كثيرة عن أنس وأبي هريرة ، وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة وحذيفة ، وفي مسند أحمد ، عن أنس وابن عباس وأخرجه الحاكم عن ابن مسعود والطبراني عن عبادة بن الصامت وابن أبي شيبة عن سلمان ، والترمذي عن أبي هريرة ، وأبو عوانة عن حذيفة عن أبي بكر حديث شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة ، وهو حديث طويل فيه: أن أهل الموقف يأتون الأنبياء واحدا بعد واحد يسألونهم الشفاعة عند الله ، وكلما أتوا نبيا وسألوه الشفاعة ردهم إلى من بعده واعتذر بشيء من عثراته حتى ينتهوا إلى خاتم النبيين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيجيبهم إلى مسألتهم وفي الحديث: أنهم يأتون إبراهيم (عليه السلام) يطلبون منه أن يشفع لهم عند الله فيقول لهم: لست هناكم إني كذبت ثلاث كذبات: قوله"إني سقيم"وقوله"بل فعله كبيرهم هذا"وقوله لامرأته"أخبريه أني أخوك".
والاعتبار الصحيح لا يوافق مضمون الحديثين كما ذكره بعض الباحثين إذ لو كان المراد بهما أن الأقاويل الثلاث التي وصفت فيهما أنها كذبات ليست كذبات حقيقية بل من قبيل التوريات والمعاريض البديعية كما ربما يلوح من بعض ألفاظ الحديث كالذي ورد في بعض طرقه من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في ذات الله"وكذا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"ما منها كذبة إلا ماحل بها عن دين الله"فما بال إبراهيم في حديث القيامة يعدها ذنوبا لنفسه ومانعة عن القيام بأمر الشفاعة ويعتذر بها عنها؟ فإنها على هذا التقدير كانت من محنة في ذات الله وحسناته في الدين لو جاز لنبي من الأنبياء أن يكذب لمصلحة الدين لكنك قد عرفت في ما تقدم من مباحث النبوة في الجزء الثاني من هذا الكتاب أن ذلك مما لا يجوز على الأنبياء (عليهم السلام) قطعا لاستيجابه سلب الوثوق عن إخباراتهم وأحاديثهم من أصلها.
على أن هذا النوع من الإخبار لو جاز عده كذبا ومنعه عن الشفاعة عند الله سبحانه كان قوله (عليه السلام) لما رأى كوكبا والقمر والشمس: هذا ربي وهذا ربي أولى بأن يعد كذبا مانعا عن الشفاعة المنبئة عن القرب من الله تعالى.
على أن قوله (عليه السلام) على ما حكاه الله تعالى بقوله:"فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم"لا يظهر بشيء من قرائن الكلام كونه كذبا غير مطابق للواقع فلعله (عليه السلام) كان سقيما بنوع من السقم لا يحجزه عما هم به من كسر الأصنام.
وكذا قوله (عليه السلام) للقوم إذ سألوه عن أمر الأصنام المكسورة بقولهم:"ء أنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم"فأجابهم وهم يعلمون أن أصنامهم من الجماد الذي لا شعور فيه ولا إرادة له:"بل فعله كبيرهم هذا"ثم أردفه بقوله:"فاسألوهم إن كانوا ينطقون"لا سبيل إلى عده كذبا فإنه كلام موضوع مكان التبكيت مسوق لإلزام الخصم على الاعتراف ببطلان مذهبه ، ولذا لم يجد القوم بدا دون أن اعترفوا بذلك فقالوا:"لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أ فتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله": الأنبياء: 67.
ولو كان المراد أن الأقاويل الثلاث كذبات حقيقية كان ذلك من المخالفة الصريحة لكتاب الله تعالى ، ونحيل ذلك إلى فهم الباحث الناقد فليراجع ما تقدم في الفصل 2 من الكلام في منزلة إبراهيم (عليه السلام) عند الله تعالى وموقفه العبودي مما أثنى الله عليه بأجمل الثناء وحمد مقامه أبلغ الحمد.
وليت شعري كيف ترضى نفس باحث ناقد أو تجوز أن ينطبق مثل قوله تعالى:"و اذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا": مريم: 41 على رجل كذاب يستريح إلى كذب القول كلما ضاقت عليه المذاهب؟ أو كيف يمدح الله بتلك المدائح الكريمة رجلا لا يراقب الله سبحانه في حق أو صدق حاشا ساحة خليل الله عن ذلك.