فهرس الكتاب

الصفحة 1458 من 4314

فرد الله عز وجل إليه يده فأقبل الملك نحوها ببصره ثم عاد بيده نحوها فأعرض إبراهيم عنه بوجهه غيرة منه ، وقال: اللهم احبس يده عنها. قال: فيبست يده ولم تصل إليها. فقال الملك لإبراهيم (عليه السلام) : إن إلهك لغيور وإنك لغيور فادع إلهك يرد إلي يدي فإنه إن فعل لم أعد فقال إبراهيم (عليه السلام) : أسأله ذلك على أنك إن عدت لم تسألني أن أسأله فقال له الملك: نعم فقال إبراهيم (عليه السلام) : اللهم إن كان صادقا فرد يده عليه فرجعت إليه يده. فلما رأى ذلك الملك من الغيرة ما رأى ورأى الآية في يده عظم إبراهيم (عليه السلام) وهابه وأكرمه واتقاه ، وقال له: قد أمنت من أن أعرض لها أو لشيء مما معك فانطلق حيث شئت ولكن لي إليك حاجة فقال إبراهيم (عليه السلام) : ما هي؟ فقال له: أحب أن تأذن لي أن أخدمها قبطية عندي جميلة عاقلة تكون لها خادما قال: فأذن إبراهيم (عليه السلام) فدعا بها فوهبها لسارة وهي هاجر أم إسماعيل (عليهما السلام) . فسار إبراهيم (عليه السلام) بجميع ما معه ، وخرج الملك معه يمشي خلف إبراهيم (عليه السلام) إعظاما لإبراهيم وهيبة له فأوحى الله تبارك وتعالى إلى إبراهيم (عليه السلام) أن قف ولا تمش قدام الجبار المتسلط ويمشي وهو خلفك ، ولكن اجعله أمامك وامش خلفه وعظمه وهبه فإنه مسلط ولا بد من إمرة في الأرض برة أو فاجرة فوقف إبراهيم (عليه السلام) وقال للملك: امض فإن إلهي أوحى إلي الساعة أن أعظمك وأهابك ، وأن أقدمك أمامي وأمشي خلفك إجلالا لك فقال له الملك: أوحي إليك بهذا؟ فقال إبراهيم (عليه السلام) : نعم فقال له الملك: أشهد إن إلهك لرفيق حليم كريم وأنك ترغبني في دينك. قال: وودعه الملك فسار إبراهيم (عليه السلام) حتى نزل بأعلى الشامات ، وخلف لوطا (عليه السلام) في أدنى الشامات. ثم إن إبراهيم (عليه السلام) لما أبطأ عليه الولد قال لسارة: لو شئت لبعتني هاجر لعل الله أن يرزقنا منها ولدا فيكون لنا خلفا ، فابتاع إبراهيم (عليه السلام) هاجر من سارة فوقع عليها فولدت إسماعيل (عليه السلام) .

ومن ذلك ما ذكرته أعني التوراة في قصة الذبح أن الذبيح هو إسحاق دون إسماعيل (عليه السلام) مع أن قصة إسكانه بأرض تهامة وبنائه الكعبة المشرفة وتشريع عمل الحج الحاكي لما جرى عليه وعلى أمه من المحنة والمشقة في ذات الله ، وقد اشتمل على الطواف والسعي والتضحية كل ذلك تؤيد كون الذبيح هو إسماعيل دون إسحاق (عليهما السلام) .

وقد وقع في إنجيل برنابا أن المسيح لام اليهود ووبخهم على قولهم بأن الذبيح هو إسحاق دون إسماعيل قال في الفصل 44: فكلم الله إبراهيم قائلا: خذ ابنك بكرك إسماعيل واصعد الجبل لتقدمه ذبيحة فكيف يكون إسحاق البكر وهو لما ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين الفصل 44 آية: 11 - 12.

وأما القرآن فإن آياته كالصريحة في كون الذبيح هو إسماعيل (عليه السلام) قال تعالى بعد ما ذكر قصة كسر الأصنام وإلقائه في النار وجعلها بردا وسلاما:"فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين": الصافات: 113.

والمتدبر في الآيات الكريمة لا يجد مناصا دون أن يعترف أن الذبيح هو الذي ذكر الله سبحانه البشارة به في قوله:"فبشرناه بغلام حليم"وأن البشارة الأخرى التي ذكرها أخيرا بقوله"و بشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين"غير البشارة الأولى ، والذي بشر به في الثانية وهو إسحاق (عليه السلام) غير الذي بشر به في الأولى وأردفها بذكر قصة التضحية به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت