و أما الروايات فالتي وردت منها من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تذكر أن الذبيح هو إسماعيل (عليه السلام) ، والتي رويت من طرق أهل السنة والجماعة مختلفة: فصنف يذكر إسماعيل وصنف يذكر إسحاق (عليه السلام) غير أنك عرفت أن الصنف الأول هو الذي يوافق الكتاب.
قال الطبري في تاريخه ،: اختلف السلف من علماء أمة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في الذي أمر إبراهيم بذبحه من ابنيه فقال بعضهم: هو إسحاق بن إبراهيم ، وقال بعضهم: هو إسماعيل بن إبراهيم.
وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلا القولين لو كان فيهما صحيح لم نعده إلى غيره غير أن الدليل من القرآن على صحة الرواية التي رويت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: هو إسحاق أوضح وأبين منه على صحة الأخرى.
إلى أن قال: وأما الدلالة من القرآن التي قلنا: إنها على أن ذلك إسحاق أصح فقوله تعالى مخبرا عن دعاء خليله إبراهيم حين فارق قومه مهاجرا إلى ربه إلى الشام مع زوجته سارة قال:"إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين"وذلك قبل أن يعرف هاجر ، وقبل أن تصير له أم إسماعيل ثم أتبع ذلك ربنا عز وجل الخبر عن إجابة دعائه وتبشيره إياه بغلام حليم ثم عن رؤيا إبراهيم أنه يذبح ذلك الغلام حين بلغ معه السعي.
ولا نعلم في كتاب الله عز وجل تبشيرا لإبراهيم بولد ذكر إلا بإسحاق وذلك قوله:"و امرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب"وقوله:"فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم".
ثم ذلك كذلك في كل موضع ذكر فيه تبشير إبراهيم بغلام فإنما ذكر تبشير الله إياه به من زوجته سارة فالواجب أن يكون ذلك في قوله:"فبشرناه بغلام حليم"نظير ما في سائر سور القرآن من تبشيره إياه من زوجته سارة.
وأما اعتلال من اعتل بأن الله لم يأمر بذبح إسحاق وقد أتته البشارة من الله قبل ولادته بولادته وولادة يعقوب منه من بعده فإنها علة غير موجبة صحة ما قال ، وذلك أن الله تعالى إنما أمر إبراهيم بذبح إسحاق بعد إدراك إسحاق السعي وجائز أن يكون يعقوب ولد له قبل أن يؤمر أبوه بذبحه.
وكذلك لا وجه لاعتلال من اعتل في ذلك بقرن الكبش أنه رآه معلقا بالكعبة وذلك أنه غير مستحيل أن يكون حمل من الشام إلى الكعبة فعلق هنالك ، انتهى كلامه.
وليت شعري كيف خفي عليه أن إبراهيم (عليه السلام) لما سأل ربه الولد عند مهاجرته إلى الشام وعنده سارة ولا خبر عن هاجر يومئذ سأل ذلك بقوله:"رب هب لي من الصالحين"فسأل ربه الولد ، ولم يسأل أن يرزقه ذلك من سارة حتى تحمل البشارة المذكورة عقيبه على البشارة بإسحاق فإنما قال:"رب هب لي"ولم يقل: رب هب لي من سارة.
وأما ما ذكره أن المعروف من سائر مواضع كتاب الله هو البشرى بإسحاق فيجب أن نحمل البشرى في هذا الموضع عليه أيضا.
فمع ما سيجيء من الكلام عليه في سائر الموارد التي أشار إليها هو في نفسه قياس لا دليل عليه بل الدليل على خلافه فإن الله سبحانه في هذه الآيات لما ذكر البشارة بغلام حليم ثم ذكر قصة الذبح استأنف ثانيا ذكر البشارة بإسحاق ولا يرتاب المتدبر في هذا السياق أن المبشر به ثانيا غير المبشر به أولا فقد بشر إبراهيم (عليه السلام) قبل إسحاق بولد له آخر وليس إلا إسماعيل ، وقد اتفق الرواة والنقلة وأهل التاريخ أن إسماعيل ولد لإبراهيم قبل إسحاق (عليهما السلام) جميعا.
ومن ذلك التدافع البين فيما تذكره التوراة من أمر إسماعيل فإنها تصرح أن إسماعيل ولد لإبراهيم (عليه السلام) قبل أن يولد له إسحاق بما يقرب من أربعة عشر عاما وأن إبراهيم (عليه السلام) طرده وأمه هاجر بعد تولد إسحاق لما استهزأ بسارة ثم تسرد قصة إسكانهما الوادي ونفاد الماء الذي حملته هاجر وعطش إسماعيل ثم إراءة الملك إياها الماء ، ولا يرتاب الناظر المتدبر في القصة أن إسماعيل كان عندئذ صبيا مرضعا فعليك بالرجوع إليها والتأمل فيها ، وهذا هو الذي يوافق المأثور من أخبارنا.