القرآن الكريم يعتني أبلغ الاعتناء بقصة إبراهيم (عليه السلام) من جهة نفسه ومن جهة ابنيه الكريمين إسماعيل وإسحاق وذريتهما معا بخلاف ما يتعرض له في التوراة فإنها تقصر الخبر عنه بما يتعلق بإسحاق وشعب إسرائيل ، ولا يلتفت إلى إسماعيل إلا ببعض ما يهون أمره ويحقر شأنه ، ومع ذلك لا يخلو يسير ما تخبر عنه عن التدافع فتارة تذكر خطاب الله سبحانه لإبراهيم (عليه السلام) أن نسلك الباقي هو من إسحاق ، وتارة أخرى خطابه أن الله بارك لنسلك من عقب إسماعيل وسيجعله أمة كبيرة ، وتارة تعرفه إنسانا وحشيا يضاد الناس ويضاده الناس قد نشأ رامي قوس مطرودا عن بيت أبيه ، وتارة تذكر أن الله معه.
وبالتأمل فيما تقدم من قصته (عليه السلام) في القرآن يظهر الجواب عن إشكالين أشكل بهما على الكتاب العزيز.
الإشكال الأول ما ذكره بعض المستشرقين أن القرآن في سوره المكية لا يتعرض لشأن إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) إلا كما يتعرض لشأن سائر الرسل من أنهم كانوا على دين التوحيد ينذرون الناس ويدعونهم إلى الله سبحانه من غير أن يذكر بناءه الكعبة وصلته بإسماعيل وكونهما داعيين للعرب إلى دين الفطرة والملة الحنيفية.
لكن السور المدينة كالبقرة والحج وغيرهما تذكر إبراهيم وإسماعيل متصلين اتصال الأبوة والبنوة وأبوين للعرب مشرعين لها دين الإسلام بانيين للكعبة البيت الحرام.
وسر هذا الاختلاف أن محمدا كان قد اعتمد على اليهود في مكة فما لبثوا أن اتخذوا حياله خطة عداء فلم يكن له بد أن التمس غيرهم ناصرا.
هناك هداه ذكاء مسدد إلى شأن جديد لأبي العرب إبراهيم وبذلك استطاع أن يخلص من يهودية عصره ليصل حبله بيهودية إبراهيم فعده أبا للعرب مشيدا لدينهم الإسلام بانيا لبيتهم المقدس الذي في مكة لما أن هذه المدينة كانت تشغل جل تفكيره.
انتهى ملخصا.
وقد أزرى المستشكل على نفسه بهذه الفرية التي نسبها إلى الكتاب العزيز الذي له شهرته العالمية التي لا يتحجب معها على شرقي ولا غربي فكل باحث متدبر يشاهد أن القرآن الكريم لم يداهن مشركا ولا يهوديا ولا نصرانيا ولا غيرهم في سورة مكية ولا مدنية ولم يختلف لحن قوله في تخطئة اليهود ولا غيرهم بحسب مكية السور ومدنيتها.
غير أن الآيات القرآنية لما نزلت نجوما بحسب وقوع الحوادث المرتبطة بالدعوة الدينية ، وكان الابتلاء بأمر اليهود بعد الهجرة كان التعرض لشئونهم والإبانة عن التشديد في حقهم لا محالة في الآيات النازلة في تضاعيف السور المدنية كتفاصيل الأحكام المشرعة التي أنزلت فيها حسب مسيس الحاجة بحدوث الحوادث.
وأما ما ذكراه من اختصاص حديث اتصال إسماعيل بإبراهيم (عليهما السلام) وبناء الكعبة وتأسيس الدين الحنيف بالسور المدنية فيكذبه قوله تعالى في سورة إبراهيم وهي مكية فيما حكاه من دعاء إبراهيم (عليه السلام) :"و إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام - إلى أن قال - ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون - إلى أن قال - الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء": إبراهيم: 39. وقد مر نظيره في الآيات المنقولة من سورة الصافات آنفا المنبئة عن قصة الذبيح.
وأما ما ذكراه من يهودية إبراهيم (عليه السلام) فإن القرآن يرده بقوله تعالى:"يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أ فلا تعقلون - إلى أن قال - ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين: آل عمران: 67."
الإشكال الثاني: أن الصابئين وهم عبدة الكواكب الذين يذكر القرآن تعرض إبراهيم (عليه السلام) لآلهتهم بقوله:"فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربي"إلى آخر الآيات إنما كانوا بمدينة حران التي هاجر إليها إبراهيم (عليه السلام) من بابل أو من"أور"ولازمه أن يكون حجاجه عبدة الكواكب بعد مدة من حجاجه عبدة الأصنام وكسره الأصنام ودخوله النار ، ولا يلائم ذلك ما هو ظاهر الآيات أن قصة الحجاج مع عبدة الأصنام والكواكب وقعت جميعا في يومين عند أول شخوصه إلى أبيه وقومه كما تقدم بيانه.