فهرس الكتاب

الصفحة 1461 من 4314

أقول: وهذا في الحقيقة إشكال على التفسير الذي تقدم إيراده في بيان الآيات لا على أصل الكتاب.

ومع ذلك ففيه غفلة عما يثبته التاريخ ويعطيه الاعتبار الصحيح أما الاعتبار فإن المملكة التي ينتحل في بعض بلاده العظيمة بدين من الأديان الشائعة المعروفة كالصابئية التي كانت يومئذ من الأديان المعروفة في الدنيا لا يخلو من شيوع في سائر بلادها ووجود جماعة من منتحليه منتشرة في أقطارها.

وأما التاريخ فقد ذكر شيوعه كشيوع الوثنية ببابل ووجود معابد كثيرة فيها بنيت على أسماء الكواكب وأصنام لها منصوبة فيها فقد جاء في تاريخ أرض بابل وما والاها ذكر بناء معبد إله الشمس وإله القمر في حدود سنة ثلاثة آلاف ومائتين قبل المسيح ، وفي نصب شريعة حمورابي ذكر إله الشمس وإله القمر وهو مما يقرب زمن الخليل إبراهيم (عليه السلام) .

وقد تقدم فيما نقلناه من كتاب الآثار الباقية لأبي ريحان البيروني: أن يوذاسف ظهر عند مضي سنة من ملك طهمورث بأرض الهند ، وأتى بالكتابة الفارسية ، ودعا إلى ملة الصابئين فاتبعه خلق كثير ، وكانت الملوك البيشدادية وبعض الكيانية ممن كان يستوطن بلخ يعظمون النيرين والكواكب وكليات العناصر إلى وقت ظهور زراتشت عند مضي ثلاثين سنة من ملك بشتاسف.

وساق الكلام إلى أن قال: وينسبون التدبير إلى الفلك وأجرامه ويقولون بحياتها ونطقها وسمعها وبصرها ، ويعظمون الأنوار ، ومن آثارهم القبة التي فوق المحراب عند المقصورة من جامع دمشق كان مصلاهم ، وكان اليونانيون والروم على دينهم ، ثم صارت في أيدي اليهود فعملوها كنيستهم ، ثم تغلب عليها النصارى فصيروها بيعة إلى أن جاء الإسلام وأهله فاتخذوها مسجدا.

وكانت لهم هياكل وأصنام بأسماء الشمس معلومة الأشكال كما ذكرها أبو معشر البلخي في كتابه في بيوت العبادات مثل هيكل بعلبك كان لصنم الشمس ، وقران فإنها منسوبة إلى القمر وبناؤها على صورته كالطيلسان ، وبقربها قرية تسمى سلمسين واسمها القديم: صنم سين أي صنم القمر: وقرية أخرى تسمى ترع عوز أي باب الزهرة.

ويذكرون أن الكعبة وأصنامها كانت لهم ، وعبدتها كانوا من جملتهم وأن اللات كان باسم زحل ، والعزى باسم الزهرة ، انتهى.

وذكر المسعودي أن مذهب الصابئة كان نوعا من التحول والتكامل في دين الوثنية وأن الصبوة ربما كانت تتحول إلى الوثنية لتقارب مأخذيهما ، وأن الوثنية ربما كانوا يعبدون أصنام الشمس والقمر والزهرة وسائر الكواكب تقربا بها إلى آلهتها ثم إلى إله الآلهة.

قال في مروج الذهب: ، كان كثير من أهل الهند والصين وغيرهم من الطوائف يعتقدون أن الله عز وجل جسم ، وأن الملائكة أجسام لها أقدار وأن الله تعالى وملائكته احتجبوا بالسماء ، فدعاهم ذلك إلى أن اتخذوا تماثيل وأصناما على صورة الباري عز وجل وبعضها على صورة الملائكة مختلفة القدود والأشكال ، ومنها على صورة الإنسان وعلى خلافها من الصور يعبدونها ، وقربوا لها القرابين ، ونذروا لها النذور لشبهها عندهم بالباري تعالى وقربها منه.

فأقاموا على ذلك برهة من الزمان وجملة من الأعصار حتى نبههم بعض حكمائهم على أن الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام المرئية إلى الله تعالى وأنها حية ناطقة ، وأن الملائكة تختلف فيهما بينها وبين الله ، وأن كل ما يحدث في هذا العالم فإنما هو على قدر ما تجري به الكواكب عن أمر الله فعظموها وقربوا لها القرابين لتنفعهم فمكثوا على ذلك دهرا.

فلما رأوا الكواكب تخفى بالنهار وفي بعض أوقات الليل لما يعرض في الجو من السواتر أمرهم بعض من كان فيهم من حكمائهم أن يجعلوا لها أصناما وتماثيل على صورها وأشكالها فجعلوا لها أصناما وتماثيل بعدد الكواكب الكبار المشهورة ، وكل صنف منهم يعظم كوكبا منها ، ويقرب لها نوعا من القربان خلاف ما للآخر على أنهم إذا عظموا ما صوروا من الأصنام تحركت لهم الأجسام العلوية من السبعة بكل ما يريدون ، وبنوا لكل صنم بيتا وهيكلا مفردا ، وسموا تلك الهياكل بأسماء تلك الكواكب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت