و قد ذهب قوم إلى أن البيت الحرام هو بيت زحل ، وإنما طال عندهم بقاء هذا البيت على مرور الدهور معظما في سائر الأعصار لأنه بيت زحل ، وأن زحل تولاه لأن زحل من شأنه البقاء والثبوت ، فما كان له فغير زائل ولا داثر ، وعن التعظيم غير حائل وذكروا أمورا أعرضنا عن ذكرها لشناعة وصفها.
ولما طال عليهم العهد عبدوا الأصنام على أنها تقربهم إلى الله وألغوا عبادة الكواكب فلم يزالوا على ذلك حتى ظهر يوذاسف بأرض الهند وكان هنديا ، وكان يوذاسف خرج من أرض الهند إلى السند ثم سار إلى بلاد سجستان وبلاد زابلستان وهي بلاد فيروز بن كبك ثم دخل السند ثم إلى كرمان.
فتنبأ وزعم أنه رسول الله ، وأنه واسطة بين الله وبين خلقه ، وأتى أرض فارس ، وذلك في أوائل ملك طهمورث ملك فارس ، وقيل: ذلك في ملك جم ، وهو أول من أظهر مذاهب الصابئة على حسب ما قدمنا آنفا فيما سلف من هذا الكتاب.
وقد كان يوذاسف أمر الناس بالزهد في هذا العالم ، والاشتغال بما علا من العوالم ، إذ كان من هناك بدء النفوس وإليها يقع الصدر من هذا العالم ، وجدد يوذاسف عند الناس عبادة الأصنام والسجود لها لشبه ذكرها ، وقرب لعقولهم عبادتها بضروب من الحيل والخدع.
وذكر ذوو الخبرة بشأن هذا العالم وأخبار ملوكهم: أن جم الملك أول من عظم النار ودعا الناس إلى تعظيمها ، وقال: إنها تشبه ضوء الشمس والكواكب لأن النور عنده أفضل من الظلمة ، وجعل للنور مراتب.
ثم تنازع هؤلاء بعده فعظم كل فريق منهم ما يرون تعظيمه من الأشياء تقربا إلى الله بذلك.
ثم ذكر المسعودي البيوت المعظمة عندهم وهي سبعة الكعبة البيت الحرام باسم زحل ، وبيت على جبل مارس بأصفهان ، وبيت مندوسان ببلاد الهند ، وبيت نوبهار بمدينة بلخ على اسم القمر ، وبيت غمدان بمدينة صنعاء من بلاد اليمن على اسم الزهرة ، وبيت كاوسان بمدينة فرغانة على اسم الشمس ، وبيت بأعالي بلاد الصين على اسم العلة الأولى.
واليونان والروم القديم والصقالبة بيوت معظمة بعضهما مبنية على اسم الكواكب كالبيت الذي بتونس للروم الذي على اسم الزهرة.
ثم ذكر المسعودي أن للصابئين من الحرانيين هياكل على أسماء الجواهر العقلية والكواكب فمن ذلك هيكل العلة الأولى ، وهيكل العقل.
قال: ومن هياكل الصابئة هيكل السلسلة ، وهيكل الصورة وهيكل النفس وهذه مدورات الشكل ، وهيكل زحل مسدس ، وهيكل المشتري مثلث ، وهيكل المريخ مربع مستطيل ، وهيكل الشمس مربع ، وهيكل عطارد مثلث الشكل ، وهيكل الزهرة مثلث في جوف مربع مستطيل ، وهيكل القمر مثمن الشكل ، وللصابئة فيما ذكرنا رموز وأسرار يخفونها ، انتهى.
وقريب منه ما في الملل والنحل ، للشهرستاني.
وقد تبين مما نقلناه أولا: أن الوثنية كما كانت تعبد أصناما للآلهة وأرباب الأنواع كذلك كانت تعبد أصنام الكواكب والشمس والقمر ، وكانت عندهم هياكل على أسمائها ، ومن الممكن أن يكون حجاج إبراهيم (عليه السلام) في أمر الكواكب والقمر والشمس ، مع الوثنية العابدين لها المتقربين بها دون الصابئة كما يمكن أن يكون مع بعض الصابئين في مدينة بابل أو بلدة أور أو كوثاريا على ما في بعض الروايات المنقولة سالفا.
على أن ظاهر ما يقصه القرآن الكريم: أن إبراهيم (عليه السلام) حاج أباه وقومه وتحمل أذاهم في الله حتى اعتزلهم وهجرهم بالمهاجرة من أرضهم إلى الأرض المقدسة من غير أن يتغرب من أرضهم إلى حران أولا ثم من حران إلى الأرض المقدسة ، والذي ضبطه كتب التاريخ من مهاجرته إلى حران أولا ثم من حران إلى الأرض المقدسة لا مأخذ له غير التوراة أو أخبار غير سليمة من نفثة إسرائيلية كما هو ظاهر لمن تدبر تاريخ الطبري ، وغيره.
على أن بعضهم ذكروا أن حران المذكور في التوراة كان بلدا قرب بابل بين الفرات وخابور ، وهو غير حران الواقع قرب دمشق الموجود اليوم.
نعم ذكر المسعودي أن الذي بقي من هياكلهم - الصابئة - المعظمة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - بيت لهم بمدينة حران في باب الرقة يعرف"بمغليتيا"وهو هيكل آزر أبي إبراهيم الخليل (عليه السلام) عندهم ، وللقوم في آزر وابنه إبراهيم كلام كثير ، انتهى.
ولا حجة في قولهم على شيء.