قال: واجتباء الله العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي يتحصل له منه أنواع من النعم بلا سعي من العبد ، وذلك للأنبياء وبعض من يقارنهم من الصديقين والشهداء كما قال تعالى: وكذلك يجتبيك ربك ، فاجتباه ربه فجعله من الصالحين واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم وقوله تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ، وقال عز وجل: يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ، انتهى.
والذي ذكره من معنى الاجتباء وإن كان كذلك على ما يفيده موارد وقوعه في كلامه تعالى لكنه لازم المعنى الأصلي بحسب انطباقه على صنعه فيهم والذي يعطيه سياق الآيات أن العناية تعلقت بمعنى الكلمة الأصلي وهو الجمع من مواضع وأمكنة مختلفة متشتتة فيكون تمهيدا لما يذكر بعده من الهداية إلى صراط مستقيم كأنه يقول: وجمعناهم على تفرقهم حتى إذا اجتمعوا وانضم بعضهم إلى بعض هديناهم جميعا إلى صراط كذا وكذا.
وذلك لما عرفت أن المقصود بالسياق بيان اتصال سلسلة المهتدين بهذه الهداية الفطرية الإلهية ، والمناسب لذلك أن يتصور لهم اجتماع وتوحد حتى تشمل جمعهم الرحمة الإلهية ، ويهتدوا مجتمعين بهداية واحدة توردهم صراطا واحدا مستقيما لا اختلاف فيه أصلا فلا يختلف بحسب الأحوال ، ولا بحسب الأزمان ، ولا بحسب الأجزاء ، ولا بحسب الأشخاص السائرين فيه ، ولا بحسب المقصد.
وذلك أن صراطهم الذي هداهم الله إليه وإن كان يختلف بحسب ظاهر الشرائع سعة وضيقا إلا أن ذلك إنما هو بحسب الإجمال والتفصيل وقلة استعداد الأمم وكثرته ، والجميع متفق في حقيقة واحدة وهو التوحيد الفطري والعبودية التي تهدي إليه البنية الإنسانية بحسب نوع الخلقة التي أظهرها الله سبحانه على ذلك ومن المعلوم أن الخلقة الإنسانية بما أنها خلقة إنسانية لا تتغير ولا تتبدل تبدلا يقضي بتبدل أصول الشعور والإرادة الإنسانيين فحواس الإنسان الظاهرة وإحساساته وعواطفه الباطنة ومبدأ القضاء والحكم الذي فيه وهو العقل الفطري لا تزال تجري بحسب الأصول على وتيرة واحدة وإن اختلفت الآراء والمقاصد بحسب الاستكمال التدريجي الذي يتعلق بالنوع والتنبه بجهات حوائج الحياة.
فلا يزال الإنسان يشعر بحاجته في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمنكح ، ويشتهي ما يريح نفسه الشحيحة ، ويكره ما يؤلمه ويضربه ، ويأمل سعادة الحياة ويخشى الشقاء وسوء العاقبة وإن اختلفت مظاهر حياته وصور أعماله عصرا بعد عصر وجيلا بعد جيل.
قال تعال:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون": الروم: 30 فالدين الحنيف الإلهي الذي هو قيم على المجتمع الإنساني هو الذي تهدي إليه الفطرة وتميل إليه الخلقة البشرية بحسب ما تحس بحوائجها الوجودية ، وتلهم بما يسعدها فيها من الاعتقاد والعمل ، وبتعبير آخر من المعارف والأخلاق والأعمال.
وهذا أمر لا يتغير ولا يتبدل لأنه مبني على الفطرة التكوينية التي لا سبيل للتغير والتبدل إليها فلا يختلف بحسب الأحوال والأزمان بأن يدعو إلى السعادة الإنسانية في حال دون حال أو في زمان دون زمان ، ولا بحسب الأجزاء بأن يزاحم بعض أحكام الدين الحنيف بعضه الآخر بتناقض أو تضاد أو أي شيء آخر يؤدي إلى إبطال بعضها بعضا فإن الجميع ترتضع من ثدي التوحيد الذي يعدلها أحسن تعديل كما أن القوى البدنية إذا تنافت أو أراد بعضها أن يطغى على بعض فإن هناك حاكما مدبرا يدبر كلا على حسب ما له من الوزن والتأثير في تقويم الحياة الإنسانية.
ولا بحسب الأشخاص فإن المهتدين بهذه الهداية القيمة الفطرية لا يختلف مسيرهم ، ولا يدعو آخرهم إلا إلى ما دعا إليه أولهم وإن اختلفت دعوتهم بالإجمال والتفصيل بحسب اختلاف أعصار الإنسانية تكاملا ورقيا كما قال تعالى:"إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران: 19 ، وقال:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه": الشورى: 13.