فهرس الكتاب

الصفحة 1468 من 4314

و لا بحسب المقصد والغاية فإنه التوحيد الذي يئول إليه شتات المعارف الدينية والأخلاق الفاضلة والأحكام الشرعية قال تعالى:"إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون": الأنبياء: 92 وقال:"و ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون": الأنبياء: 25.

وقد ظهر بما تقدم معنى قوله تعالى:"و هديناهم إلى صراط مستقيم"وقد نكر الصراط من غير أن يذكر على طريق العهد كما في قوله:"اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم": الحمد: 7 لتتوجه عناية الذهن إلى اتصافه بالاستقامة - والاستقامة في الشيء كونه على وتيرة واحدة في صفته وخاصته - فالصراط الذي هدوا إليه صراط لا اختلاف فيه في جهة من الجهات ولا حال من الأحوال لما أنه صراط مبني على الفطرة كما أن الفطرة الإنسانية وهي نوع خلقته وكونه لا تختلف من حيث إنها خلقة إنسانية في الهداية والاهتداء إلى مقاصد الإنسان التكوينية.

فهؤلاء المهديون إلى مستقيم الصراط في أمن إلهي من خطرات السير وعثرات الطريق إذ كان الصراط الذي يسلكونه والمسير الذي يضربون فيه لا اختلاف فيه بالهداية والإضلال والحق والباطل والسعادة والشقاوة بل هو مؤتلف الأجزاء ومتساوي الأحوال يقوم على الحق ويؤدي إلى الحق لا يدع صاحبه في حيرة ، ولا يورده إلى ظلم وشقاء ومعصية قال تعالى:"الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام: 82.

قوله تعالى:"ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده"إلى آخر الآية.

يبين تعالى أن الذي ذكره من صفة الهداية التي هدى بها المذكورين من أنبيائه هو المعرف لهداه الخاص به الذي يهدي به من يشاء من عباده.

فالهدى إنما يكون هدى - حق الهدى - إذا كان من الله سبحانه ، والهدى إنما يكون هدى الله إذا أورد المتلبس به صراطا مستقيما اتفق على الورود فيه أصحاب الهدى وهم الأنبياء المكرمون (عليهم السلام) ، واتفق أجزاء ذلك الصراط في الدعوة إلى كلمة التوحيد وإقامة دعوة الحق والاتسام بسمة العبودية والتقوى.

أما الطريق الذي يفرق فيه بين رسل الله فيؤمن فيه ببعض ويكفر ببعض أو يفرق فيه بين أحكام الله وشرائعه فيؤخذ فيه ببعض ويترك بعض ، والطرق التي لا تضمن سعادة حياة المجتمع الإنساني أو يسوق إلى بعض ما ليس فيه السعادة الإنسانية فتلك هي الطرق التي لا مرضاة فيها لله سبحانه وقد انحرفت فيها عن شريعة الفطرة إلى مهابط الضلال ومزالق الأهواء ، والاهتداء إليها ليس اهتداء بهدى الله سبحانه.

قال تعالى:"إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ، أولئك هم الكافرون حقا": النساء: 151 وقال:"أ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب": البقرة: 85 وقال:"و من أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين": القصص: 50 يريد أن الطريق الذي فيه اتباع الهوى إنما هو ضلال لا يورد سالكه سعادة الحياة وليس بهدى الله لأن فيه ظلما والله سبحانه لم يجعل الظلم ولن يجعله مما يتوسل به إلى سعادة ولا أن السعادة تنال بظلم.

وبالجملة هدى الله سبحانه من خاصته أنه لا يشتمل على ضلال ولا يجامع ضلالا بالتأدية إليه ، وإنما هو الهدى محضا تتلوه السعادة محضة عطاء غير مجذوذ لكن لا على حد العطايا المعمولة فيما بيننا التي ينقطع معها ملك المعطي بالكسر عن عطيته وينتقل إلى المعطى بالفتح فيحوزه على أي حال سواء شكر أو كفر.

بل هذه العطية الإلهية إنما تقوم على شريطة التوحيد والعبودية فلا كرامة لأحد عليه تعالى ولا أمن له منه إلا بالعبودية محضا ولذلك ذيل الكلام بقوله:"و لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون"وإنما ذكر الإشراك لأن محط البيان إنما هو التوحيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت