قوله تعالى:"أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة"الإشارة باللفظ المفيد للبعد للدلالة على علو شأنهم ورفعة مقامهم ، والمراد بإيتائهم الكتاب وغيره إيتاء جمعهم ذلك بوصف المجموع وإن كان بعضهم لم يؤتوا بعض المذكورات كما مر في تفسير قوله:"و اجتبيناهم وهديناهم"فإن الكتاب إنما أوتيه بعض الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى (عليهما السلام) .
والكتاب إذا نسب في كلامه تعالى إلى الأنبياء (عليهم السلام) نوعا من النسبة يراد به الصحف التي تشتمل على الشرائع ويقضى بها بين الناس فيما اختلفوا فيه كقوله تعالى:"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه": البقرة: 213 وقوله:"إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون - إلى أن قال - وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله": المائدة: 48. إلى غير ذلك من الآيات.
والحكم هو إلقاء النسبة التصديقية بين أجزاء الكلام كقولنا: فلان عالم ، وإذا كان ذلك في الأمور الاجتماعية والقضايا العملية التي تدور بين المجتمعين عد نوع النسبة حكما كما تسمى نفس القضية حكما كما يقال يجب على الإنسان أن يفعل كذا ويحرم عليه أن يفعل كذا أو يجوز له أن يفعل كذا أو أحب أو أكره أن تفعل كذا فتسمى الوجوب والحرمة والجواز والاستحباب والكراهة أحكاما كما تسمى القضايا المشتملة عليها أحكاما ، ولأهل الاجتماع أحكام أخر ناشئة من نسب أخرى كالملك والرئاسة والنيابة والكفاية والولاية وغير ذلك.
وإذا قصد به المعنى المصدري أريد به إيجاد الحكم وجعله إما بحسب التشريع والتقنين كما يجعل أهل التقنين أحكاما صالحة ليجري عليها الناس ويعملوا بها في مسير حياتهم لحفظ نظام مجتمعهم ، وإما بحسب التشخيص والنظر كتشخيص القضاة والحكام في المنازعات والدعاوي أن المال لفلان والحق مع فلان وكتشخيص أهل الفتيا في فتاواهم وقد يراد به إنفاذ الحكم كحكم الوالي والملك على الناس بما يريدان في حوزة الولاية والملك.
والظاهر من الحكم في الآية بقرينة ذكر الكتاب معه أن يكون المراد به معنى القضاء فيكون المراد من إيتاء الكتاب والحكم إعطاء شرائع الدين والقضاء بحسبها بين الناس كما هو ظاهر عدة من الآيات كقوله تعالى:"و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه": البقرة: 213 وقوله: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا": المائدة: 44 وقوله:"لتحكم بين الناس بما أراك الله": النساء: 105 وقوله:"و داود وسليمان إذ يحكمان في الحرث": الأنبياء: 78 وقوله:"يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله": ص: 26 إلى غير ذلك من الآيات وهي كثيرة ، وإن كان مثل قوله تعالى حكاية عن إبراهيم (عليه السلام) :"رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين": الشعراء: 83 لا يأبى بظاهره الحمل على المعنى الأعم."
وأما النبوة فقد تقدم في تفسير قوله:"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين"الآية: البقرة: 213 أن المراد بها التحقق بأنباء الغيب بعناية خاصة إلهية وهي الأنباء المتعلقة بما وراء الحس والمحسوس كوحدانيته تعالى والملائكة واليوم الآخر.
وعد هذه الكرامات الثلاث التي أكرم الله سبحانه بها سلسلة الأنبياء (عليهم السلام) أعني الكتاب والحكم والنبوة في سياق الآيات الواصفة لهداه تعالى يدل على أنها من آثار هداية الله وبها يتم العلم بالله تعالى وآياته فكأنه قيل: تلك الهداية التي جمعنا عليها الأنبياء (عليهم السلام) وفضلناهم بها على العالمين هي التي توردهم صراطا مستقيما وتعلمهم الكتاب المشتمل على شرائعه ، وتسددهم وتنصبهم للحكم بين الناس ، وتنبئهم أنباء الغيب.
كلام في معنى الكتاب في القرآن