فهرس الكتاب

الصفحة 1472 من 4314

و المعنى على الوجه الأول: فإن يكفر مشركو قومك بهدايتنا وهي طريقتنا فقد وكلنا بها من عبادنا من ليس يكفر بها ، والكفر والإيمان يتعلقان بالهداية وخاصة إذا كانت بمعنى الطريقة كما ينسبان إلى الله سبحانه وآياته قال تعالى:"و أنا لما سمعنا الهدى آمنا به": الجن: 13 وقال:"فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون": البقرة: 38.

وعلى الوجه الثاني: فإن يكفر بالكتاب والحكم والنبوة - وهي التي تشتمل على الطريقة الإلهية والدعوة الدينية - مشركو مكة فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين.

وأما أن هؤلاء القوم من هم: - وفي تنكير اللفظ دلالة على أن لهم خطرا عظيما - فقد اختلف فيهم أقوال المفسرين: فمن قائل: إن المراد بهم الأنبياء المذكورون في الآيات السابقة وهم ثمانية عشر نبيا أو مطلق الأنبياء المذكورين بأسمائهم أو بنعوتهم في قوله:"و من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ، وفيه أن سياق اللفظ لا يلائمه إذ ظاهر قوله:"ليسوا بها بكافرين"نفي الحال أو الاستمرار في النفي والمذكورون من الأنبياء (عليهم السلام) لم يكونوا موجودين حال الخطاب ولو كان المراد ذلك لكان المتعين أن يقال: لم يكونوا بها بكافرين ، وليس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معدودا منهم بحسب هذه العناية وإن كان هو منهم وأفضلهم فإن الله سبحانه يذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك بقوله:"أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده"."

ومن قائل إن المراد بهم الملائكة وفيه كما قيل إن القوم وخاصة إذا أطلق من غير تقييد لا يطلق على الملائكة ولا يسبق إلى الذهن على أن في الآية بحسب السياق نوع تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا معنى لتسليته في كفر قومه بإيمان الملائكة.

ومن قائل إن المراد بهم المؤمنون به (صلى الله عليه وآله وسلم) عند نزول السورة في مكة أو مطلق المهاجرين.

وفيه: أن بعض هؤلاء قد ارتدوا بعد إيمانهم كالذي قال سأنزل مثل ما أنزل الله ، وقد تعرض سبحانه لأمره في هذه السورة بعد آيات ، وقد كان فيهم المنافق فلا ينطبق عليهم قوله:"ليسوا بها بكافرين".

ومن قائل: إن المراد بهم الأنصار أو المهاجرون والأنصار جميعا أو أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المهاجرين والأنصار وهم الذين أقاموا هذه الدعوة على ساقها ونصروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم العسرة ، وقد مدحهم الله في كتابه أبلغ المدح.

وفيه: أن كرامة جماعتهم ورفعة منزلتهم بما هم جماعة مما لا يدانيه ريب لكن كان بينهم من ارتد بعد إيمانه والمنافق الذي لم يظهر حاله بعد ، ولا ينطبق على من هذا نعته مثل قوله تعالى:"فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين"وظاهره أنه لا سبيل للكفر إليهم ولم يقل: فقد وكلنا بها قوما يؤمنون بها أو آمنوا بها.

وربما يستفاد من كلمات بعضهم: أن المراد به قيام الإيمان بجماعتهم وإن أمكن أن يتخلف عن إقامته آحاد منهم وبعبارة أخرى قوله:"ليسوا بها بكافرين"وصف للمجتمع ولا ينافي خروج بعض الأبعاض اتصاف المجتمع بوصفه القائم بالمجموع من حيث هو مجموع ، والمؤمنون به (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأنصار أو منهم ومن المهاجرين أو الصحابة ثبت الإيمان فيهم ثبوتا من غير زوال وإن زال عن بعض أفرادهم.

وهذا الوجه لو تم لدل على أن المراد بالقوم جميع الأمة المسلمة أو المؤمنون من جميع الأمم ، ولا دليل من تخصيصه بقوم دون قوم ، واختصاص بعضهم بمزايا وكرامات دينية كتقدم المهاجرين في الإيمان بالله والصبر على الأذى في جنب الله ، أو تبوء الأنصار الدار والإيمان وإعلاؤهم كلمة التوحيد لا يوجب إلا فضل اتصافهم بهذا النعت لا اختصاصه بهم وحرمان غيرهم منه مع مشاركته إياهم في معناه.

إلا أنه يرد على هذا الوجه: أن المألوف من كلامه في الأوصاف الاجتماعية التي لا تستوعب جميع أفراد المجتمع أن يستثني المتخلفين عنها لو كان هناك متخلف أو يأتي بما في معنى الاستثناء كقوله:"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ، ثم رددناه أسفل سافلين ، إلا الذين آمنوا": التين: 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت