و قوله:"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم - إلى أن قال - وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما": الفتح: 29 وقوله:"إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار - إلى أن قال - إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله": النساء: 146 وقوله:"كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم - إلى أن قال - إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا": آل عمران: 89 وهذا المعنى كثير دائر في القرآن الكريم فما بال قوله:"قوما ليسوا بها بكافرين"لم يستثن منه المتخلف عن الوصف من القوم مع وجوده فيهم.
وأغرب منه قول بعضهم: إن المراد بوصف القوم بأنهم ليسوا بها بكافرين - والقوم على قوله هم الأنصار - الإشارة إلى أنهم وإن لم يؤمنوا بها بعد لكنهم لم يكفروا بها كما كفر بها مشركو مكة.
وفيه مضافا إلى أنه لا يسلم مما تقدم من الإشكال على الوجوه السابقة أن أهل المدينة من الأنصار كانوا حين نزول الآيات مشركين يعبدون الأصنام ولا معنى لنفي الكفر عنهم اللهم إلا بمعنى الرد بعد الدعوة وهو الاستكبار والاستنكاف ولا دليل على كون الكفر في الآية بهذا المعنى مع كون الآيات مسوقة لوصف الهداية الإلهية المقابلة للإشراك كما جرى على هذا المجرى في قوله:"و لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون".
وفيه: أن التوكيل المذكور في الآية يفيد معنى الحفظ ، ولا معنى لقولنا: إن يكفر بها هؤلاء فقد حفظناها بقوم لم يؤمنوا بها ولم يردوها بعد.
ومن قائل: إن المراد بهم العجم ولم يكونوا يؤمنوا بها يومئذ وكأنه مأخوذ من قوله تعالى"إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين": النساء: 133 فقد ورد أن المراد بالآخرين هم العجم لكن يرد عليه ما يرد على سابقه.
ومن قائل: إن المراد بالقوم هم المؤمنون من أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أو المؤمنون من جميع الأمم.
وفيه: أنه يرد عليه ما أورد على ما قبله من الوجوه.
نعم يمكن أن يوجه بأن المراد بهم نفوس من هذه الأمة أو من جميع الأمم يؤمن بالله إيمانا لا يعقبه كفر ما دامت تعيش في الدنيا فهؤلاء قوم مؤمنون وليسوا بها بكافرين وإن لم يمتنع الكفر عليهم لكن دوامهم على الإيمان بدعوة التوحيد من غير كفر أو نفاق يستدعي صدق قوله"قوما ليسوا بها بكافرين"عليهم ويتم به معنى الآية في أنها مسوقة لتسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتطييب قلبه الشريف إذ كان يحزنه كفر المشركين من قومه واستكبارهم عن إجابة دعوة الحق والإيمان بالله وآياته ، وفي أنها دالة على اعتزازه تعالى بحفظ هدايته وطريقته التي أكرم بها عباده المكرمين وأنبياءه المقربين.
لكن يتوجه إليه أن بناء هذا الوجه على قضية اتفاقية وهي إيمان المؤمنين بها إيمانا يتفق أن يبقى سليما من الزوال من غير ضامن يضمن بقاءه ، ولا يلائمه قوله تعالى:"وكلنا بها"فإن التوكيل يفيد معنى الاعتماد ويتضمن معنى الحفظ والكلاءة ، ولا وجه للاعتزاز والمباهاة بأمر لا ضامن لثباته ولا حافظ لاستقراره وبقائه.
على أن الله سبحانه يذم كثيرا من الإيمان إذ يقول:"و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون": يوسف: 106 وهذه الآيات إنما تصف التوحيد الفطري المحض والهداية الإلهية الطاهرة النقية الخالية عن شوب الشرك والظلم التي أكرم الله بها خليله إبراهيم ومن قبله وبعده من الأنبياء المكرمين (عليهم السلام) كما يذكره إبراهيم (عليه السلام) في قوله على ما يحكيه الله سبحانه عنه:"الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام: 82 والهداية التي هذا شأنها لا يعد كل متلبس بالإيمان حافظا لها موكلا بها من الله يحفظها الله به من الضيعة والفساد البتة وفيهم الطغاة والبغاة والفراعنة والمستكبرون والجفاة الظلمة وأهل البدع والمتوغلون في الفجور وأنواع الفحشاء والفسق.