فهرس الكتاب

الصفحة 1474 من 4314

و الذي ينبغي أن يقال في معنى الآية أعني قوله:"فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين"إن الآيات لما كانت تصف التوحيد الفطري والهداية الإلهية الطاهرة من شوب الشرك بالله سبحانه ، وتذكر أن الله سبحانه أكرم بهذه الهداية سلسلة متصلة متحدة من أنبيائه واصطفاهم بها ذرية بعضها من بعض واجتباهم وهداهم إلى صراط مستقيم لا ضلال فيه وآتاهم الكتاب والحكم والنبوة.

ثم فرع على ذلك قوله:"فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين"وسياقه سياق اعتزاز منه تعالى وتسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتطييب لنفسه لئلا يوهنه الحزن ويفسخ عزيمته في الدعوة الدينية ما يشاهده من كفر قومه واستكبارهم وعمههم في طغيانهم فمعناه أن لا تحزن بما تراه من كفرهم بهذه الهداية الإلهية والطريقة التي تشتمل عليها الكتاب والحكم والنبوة التي آتيناها سلسلة المهديين من الأنبياء الكرام فإنا قد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين فلا سبيل للضيعة والزوال إلى هذه الهداية الإلهية لأنا وكلناهم بها واعتمدنا عليهم فيها وأولئك غير كافرين بها البتة.

فهؤلاء قوم لا يتصور في حقهم كفر ولا يدخل في قلوبهم شرك لأن الله وكلهم بها واعتمد عليهم فيها وحفظها بهم ولو جاز عليهم الشرك وأمكن فيهم التخلف كان الاعتماد عليهم فيها خطاء وضلالا والله سبحانه لا يضل ولا ينسى.

فالآية تدل - والله أعلم - على أن لله سبحانه في كل زمان عبدا أو عبادا موكلين بالهداية الإلهية والطريقة المستقيمة التي يتضمنها ما آتاه أنبياءه من الكتاب والحكم والنبوة يحفظ الله بهم دينه عن الزوال وهدايته عن الانقراض ، ولا سبيل للشرك والظلم إليهم لاعتصامهم بعصمة إلهية وهم أهل العصمة من الأنبياء الكرام وأوصيائهم (عليهم السلام) .

فالآية خاصة بأهل العصمة وقصارى ما يمكن أن يتوسع به أن يلحق بهم الصالحون من المؤمنين ممن اعتصم بعصمة التقوى والصلاح ومحض الإيمان عن الشرك والظلم ، وخرج بذلك عن ولاية الشيطان قال تعالى.

"إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون": النحل: 99 إن صدق عليهم أن الله وكلهم بها واعتمد عليهم فيها.

قوله تعالى:"أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده"إلى آخر الآية.

عاد ثانيا إلى تعريفهم بما فيه تعريف الهدى الإلهي فالهدى الإلهي لا يتخلف عن شأنه وأثره وهو الإيصال إلى المطلوب قال تعالى:"فإن الله لا يهدي من يضل": النحل: 37.

وقد أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله:"فبهداهم اقتده بالاقتداء - وهو الاتباع - بهداهم لا بهم لأن شريعته ناسخة لشرائعهم وكتابه مهيمن على كتبهم ، ولأن هذا الهدى المذكور في الآيات لا واسطة فيه بينه تعالى وبين من يهديه ، وأما نسبة الهدى إليهم في قوله:"فبهداهم"فمجرد نسبة تشريفية ، والدليل عليه قوله:"ذلك هدى الله"إلخ."

وقد استدل بعضهم بالآية على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمته كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم إلا ما قام الدليل على نسخه ، وفيه: أن ذلك إنما يتم لو كان قيل: فبهم اقتده ، وأما قوله"فبهداهم اقتده"فهو بمعزل عن الدلالة على ذلك ، كما هو ظاهر.

وختم سبحانه كلامه في وصف التوحيد الفطري والهداية الإلهية إليه بقوله خطابا لنبيه:"قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين"كأنه قيل: اهتد بالهدى الإلهي الذي اهتدى به الأنبياء قبلك ، وذكر به العالمين من غير أن تسألهم أجرا على ذلك ، وقل لهم ذلك لتطيب به نفوسهم ، ويكون أنجح للدعوة وأبعد من التهمة ، وقد حكى الله سبحانه هذه الكلمة عن نوح ومن بعده من الأنبياء (عليهم السلام) في دعواتهم.

والذكرى أبلغ من الذكر كما ذكره الراغب ، وفي الآية دليل على عموم نبوته (صلى الله عليه وآله وسلم) لجميع العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت