لكن الإنسان إذا فارقت نفسه البدن بحلول الموت بطل ارتباطه بجميع الأسباب والعلل والمعدات المادية التي كانت ترتبط بها من جهة البدن وتتصل بها في هذه النشأة الدنيوية وشاهد عند ذلك بطلان استقلالها واندكاك عظمتها وتأثيرها فوقعت عين بصيرته على أن أمره أولا وآخرا إلى ربه لا غير وأن لا رب له سواه ولا مؤثر في شأنه دونه.
فقوله تعالى:"و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة"إشارة إلى حقيقة الأمر ، وقوله:"و تركتم ما خولناكم وراء ظهوركم"إلخ ، بيان لبطلان الأسباب الملهية له عن ربه المتخللة بين أول خلقه وبين يوم يقبض فيه إلى ربه ، وقوله:"لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون"بيان لسبب انقطاعه من الأسباب وسقوطها عن الاستقلال والتأثير ، وأن السبب في ذلك انكشاف بطلان المزاعم التي كان الإنسان يلعب بها طول حياته الدنيا.
فيتبين بذلك أن ليس لهذه الأسباب والضمائم في الإنسان من النصيب إلا أوهام ومزاعم يتلهى ويلعب بها الإنسان.
قوله تعالى:"إن الله فالق الحب والنوى"إلى آخر الآية.
الفلق هو الشق.
لما انتهى الكلام في الآية السابقة إلى نفي استقلال الأسباب في تأثيرها ، وبطلان كون أربابهم شفعاء من دون الله المؤدي إلى كونهم شركاء لله صرف الكلام إلى بيان أن هذه التي يشتغل بها الإنسان عن ربه ليست إلا مخلوقات لله مدبرة بتدبيره ، ولا تؤثر أثرا ولا تعمل عملا في إصلاح حياة الإنسان وسوقه إلى غايات خلقته إلا بتقدير من الله وتدبير يدبره هو لا غير فهو تعالى الرب دون غيره.
فالله سبحانه هو يشق الحب والنوى فينبت منهما النبات والشجر اللذين يرتزق الناس من حبه وثمره ، وهو يخرج الحي من الميت والميت من الحي - وقد مر تفسير ذلك في الكلام على الآية 27 من سورة آل عمران - ذلكم الله لا غير فأنى تؤفكون وإلى متى تصرفون من الحق إلى الباطل.
قوله تعالى:"فالق الإصباح وجعل الليل سكنا"إلى آخر الآية.
الإصباح بكسر الهمزة هو الصبح وهو في الأصل مصدر ، والسكن ما يسكن إليه ، والحسبان جمع حساب ، وقيل: هو مصدر حسب حسابا وحسبانا.
وقوله:"و جعل الليل سكنا"عطف على قوله:"فالق الإصباح"ولا ضير في عطف الجملة الفعلية على الاسمية إذا اشتملت على معنى الفعل وقرىء:"و جاعل".
وفي فلق الصبح وجعل الليل سكنا يسكن فيه المتحركات عن حركاتها لتجديد القوى ودفع ما عرض لها من التعب والعي والكلال من جهة حركاتها طول النهار ، وجعل الشمس والقمر بما يظهر من الليل والنهار والشهور والسنين من حركاتهما في ظاهر الحس حسبانا تقدير عجيب للحركات في هذه النشأة المتغيرة المتحولة ينتظم بذلك نظام المعاش الإنساني ويستقيم به أمر حياته ، ولذلك ذيلها بقوله:"ذلك تقدير العزيز العليم"فهو العزيز الذي لا يقهره قاهر فيفسد عليه شيئا من تدبيره ، والعليم الذي لا يجهل بشيء من مصالح مملكته حتى ينظمه نظما ربما يفسد من نفسه ولا يدوم بطبعه.
قوله تعالى:"و هو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها"إلى آخر الآية.
المعنى واضح والمراد بتفصيل الآيات إما تفصيلها بحسب الجعل التكويني أو تفصيلها بحسب البيان اللفظي.
ولا تنافي بين إرادة مصالح الإنسان في حياته وعيشته في هذه النشأة مما يتراءى لظاهر الحس من حركات هذه الأجرام العظيمة العلوية والكرات المتجاذبة السماوية ، وبين كون كل من هذه الأجرام مرادا بإرادة إلهية مستقلة ومخلوقة بمشية تتعلق بنفسه وتخص شخصه فإن الجهات مختلفة ، وتحقق بعض هذه الجهات لا يدفع تحقق بعض آخر والارتباط والاتصال حاكم على جميع أجزاء العالم.
قوله تعالى:"و هو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع"إلى آخر الآية ، قرىء"مستقر"بفتح القاف وكسرها وهو على القراءة الأولى اسم مكان بمعنى محل الاستقرار فيكون"مستودع"أيضا اسم مكان بمعنى محل الاستيداع وهو المكان الذي توضع فيه الوديعة.