فهرس الكتاب

الصفحة 1490 من 4314

و قد وقع ذكر المستقر والمستودع في قوله تعالى:"و ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين":"هود: 6"وفي الكلام حذف وإيجاز ، والتقدير: فمنكم من هو في مستقر ومنكم من هو في مستودع ، وعلى القراءة الثانية وهي الرجحى"مستقر"اسم فاعل ويكون المستودع اسم مفعول لا محالة ، والتقدير فمنكم مستقر ومنكم مستودع لم يستقر بعد.

والظاهر أن المراد بقوله:"و هو الذي أنشأكم من نفس واحدة"انتهاء الذرية الإنسانية على كثرتها وانتشارها إلى آدم الذي يعده القرآن الكريم مبدأ للنسل الإنساني الموجود ، وأن المراد بالمستقر هو البعض الذي تلبس بالولادة من أفراد الإنسان فاستقر في الأرض التي هي المستقر لهذا النوع كما قال تعالى:"و لكم في الأرض مستقر": البقرة: 36 ، والمراد بالمستودع من استودع في الأصلاب والأرحام ولم يولد بعد وسيولد بعد حين فهذا هو المناسب لمقام بيان الآية بإنشاء جميع الأفراد النوعية من فرد واحد ومن الممكن أن يؤخذ مستقر ومستودع مصدرين ميميين.

وقد عبر بلفظ الإنشاء دون الخلق ونحوه وهو ظاهر في الدفعة وما في حكمه دون التدريج ، ويؤيد هذا المعنى أيضا ما تقدم من قوله تعالى:"و ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها"كما لا يخفى أي يعلم ما استقر منها في الأرض بفعلية التكون"و ما هو في طريق التكون مما لم يتكون بالفعل ولم يستقر في الأرض."

فالمعنى: وهو الذي أوجدكم معشر الأناسي من نفس واحدة وعمر بكم الأرض إلى حين فهي مشغولة بكم ما لم تنقرضوا فلا يزال بعضكم مستقرا فيها وبعضكم مستودع في الأصلاب والأرحام أو في الأصلاب فقط في طريق الاستقرار فيها.

وقد أورد المفسرون في الآية معاني أخر كقول بعضهم: إن المراد من إنشائهم من نفس واحدة خلقهم من نوع واحد من النفس وهو النفس الإنسانية"أو إن المراد هو الإنشاء من نوع واحد من التركيب النفسي والبدني ، وهو الحقيقة الإنسانية المؤلفة من نفس وبدن إنسانيين."

وكقول بعضهم: إن المراد بالمستقر الأرحام وبالمستودع الأصلاب وقول بعض آخر: إن المستقر الأرض والمستودع القبر ، وقول بعض آخر: إن المستقر هو الرحم والمستودع الأرض أو القبر ، وقول بعض آخر: إن المستقر هو الروح والمستودع هو البدن ، إلى غير ذلك من أقاويلهم التي لا كثير جدوى في التعرض لها.

قوله تعالى:"هو الذي أنزل من السماء ماء"إلى آخر الآية.

السماء هي جهة العلو فكلما علاك وأظلك فهو سماء ، والمراد بقوله:"فأخرجنا به نبات كل شيء"على ما قيل ، فأخرجنا بالماء الذي أنزلناه من السماء النبات والنمو الذي في كل شيء نام له قوة النبات من الكمون إلى البروز ، أي أنبتنا به كل شيء نباتي كالنجم والشجر والإنسان وسائر الحيوان.

والخضر هو الأخضر وكأنه مخفف الخاضر ، وتراكب الحب انعقاد بعضه فوق بعض كما في السنبلة ، والطلع أول ما يبدو من ثمر النخل ، والقنوان جمع قنو وهو العذق بالكسر وهو من التمر كالعنقود من العنب ، والدانية أي القريبة ، والمشتبه وغير المتشابه المشاكل وغير المشاكل في النوع والشكل وغيرهما.

وينع الثمر نضجه.

وقد ذكر الله سبحانه أمورا مما خلقه لينظر فيها من له نظر وبصيرة فيهتدي بالنظر فيها إلى توحيده ، وهي أمور أرضية كفلق الحبة والنواة ونحو ذلك ، وأمور سماوية كالليل والصبح والشمس والقمر والنجوم ، وأمر راجع إلى الإنسان نفسه وهو إنشاء نوعه من نفس واحدة فمستقر ومستودع ، وأمور مؤلفة من الجميع كإنزال المطر من السماء وتهيئة الغذاء من نبات وحب وثمر وإنبات ما فيه قوة النمو كالنبات والحيوان والإنسان من ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت