فهرس الكتاب

الصفحة 1491 من 4314

و قد عد النجوم آية خاصة بقوم يعلمون ، وإنشاء النفوس الإنسانية آية خاصة بقوم يفقهون ، وتدبير نظام الإنبات آية لقوم يؤمنون والمناسبة ظاهرة فإن النظر في أمر النظام أمر بسيط لا يفتقر إلى مئونة زائدة بل يناله الفهم العادي بشرط أن يتنور بنصفة الإيمان ولا يتلطخ بقذارة العناد واللجاج ، وأما النظر في النجوم والأوضاع السماوية فمما لا يتخطى العلماء بهذا الشأن ممن يعرف النجوم ومواقعها وسائر الأوضاع السماوية إلى حد ما ولا يناله الفهم العام العامي إلا بمئونة: وأما آية الأنفس فإن الاطلاع عليها وعلى ما عندها من أسرار الخلقة يحتاج مضافا إلى البحث النظري إلى مراقبة باطنية وتعمق شديد وتثبت بالغ وهو الفقه.

قوله تعالى:"و جعلوا لله شركاء الجن وخلقهم"إلى آخر الآية.

الجن إما مفعول لجعلوا ومفعوله الآخر شركاء أو بدل من شركاء ، وقوله:"و خلقهم"كأنه حال وإن منعه بعض النحاة وحجتهم غير واضحة.

وكيف كان فالكلمة في مقام ردهم ، والمعنى وجعلوا له شركاء الجن وهو خلقهم والمخلوق لا يجوز أن يشارك خالقه في مقامه.

والمراد بالجن الشياطين كما ينسب إلى المجوس القول: بأهرمن ويزدان ونظيره ما عليه اليزيدية الذين يقولون بألوهية إبليس الملك طاووس - شاه بريان أو الجن المعروف بناء على ما نسب إلى قريش أنهم كانوا يقولون: إن الله قد صاهر الجن فحدث بينهما الملائكة ، وهذا أنسب بسياق قوله:"و جعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم"وعلى هذا فالبنون والبنات هم جميعا من الملائكة خرقوهم أي اختلقوهم ونسبوهم إليه افتراء عليه سبحانه وتعالى عما يشركون.

ولو كان المراد من هو أعم من الملائكة لم يبعد أن يكون المراد بهم ما يوجد في سائر الملل غير الإسلام فالبرهمنية والبوذية يقولون بنظير ما قالته النصارى من بنوة المسيح كما تقدم في الجزء الثالث من الكتاب ، وسائر الوثنيين القدماء كانوا يثبتون لله سبحانه بنين وبنات من الآلهة على ما يدل عليه الآثار المكتشفة ، ومشركو العرب كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله.

قوله تعالى:"بديع السماوات والأرض"إلى آخر الآية.

جواب عن قولهم بالبنين والبنات ، ومحصله أن لا سبيل لتحقق حقيقة الولد إلا اتخاذ الصاحبة ولم يكن له تعالى صاحبة فأنى يكون له ولد؟.

وأيضا هو تعالى الخالق لكل شيء وفاطره ، والولد هو الجزء من الشيء يربيه بنوع من اللقاح وجزء الشيء والمماثل له لا يكون مخلوقا له البتة ، ويجمع الجميع أنه تعالى بديع السماوات والأرض الذي لا يماثله شيء من أجزائها بوجه من الوجوه فكيف يكون له صاحبة يتزوج بها أو بنون وبنات يماثلونه في النوع فهذا أمر يخبر به الله الذي لا سبيل للجهل إليه فهو بكل شيء عليم ، وقد تقدم في الكلام على قوله تعالى:"و ما كان لبشر أن يؤتيه الله"إلخ ،: آل عمران: 79 في الجزء الثالث من الكتاب ما ينفع في المقام.

قوله تعالى:"ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء"إلى آخر الآيتين الجملة الأولى أعني قوله:"ذلكم الله ربكم"نتيجة متخذة من البيان المورد في الآيات السابقة ، والمعنى: إذا كان الأمر على ما ذكر فالله الذي وصفناه هو ربكم لا غير ، وقوله:"لا إله إلا هو"كالتصريح بالتوحيد الضمني الذي تشتمل عليه الجملة السابقة ، وهو مع ذلك يفيد معنى التعليل أي هو الرب ليس دونه رب لأنه الله الذي ليس دونه إله وكيف يكون غيره ربا وليس بإله.

وقوله:"خالق كل شيء"تعليل لقوله:"لا إله إلا هو"أي إنما انحصرت الألوهية فيه لأنه خالق كل شيء من غير استثناء فلا خالق غيره لشيء من الأشياء حتى يشاركه في الألوهية ، وكل شيء مخلوق له خاضع له بالعبودية فلا يعادله فيها.

وقوله:"فاعبدوه"متفرع كالنتيجة على قوله"ذلكم الله ربكم"أي إذا كان الله سبحانه هو ربكم لا غير فاعبدوه ، وقوله:"و هو على كل شيء وكيل"أي هو القائم على كل شيء المدبر لأمره الناظم نظام وجوده وحياته وإذا كان كذلك كان من الواجب أن يتقى فلا يتخذ له شريك بغير علم فالجملة كالتأكيد لقوله:"فاعبدوه"أي لا تستنكفوا عن عبادته لأنه وكيل عليكم غير غافل عن نظام أعمالكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت