و فيه ، عن سدير قال: سمعت حمران يسأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله:"بديع السماوات والأرض"فقال له أبو جعفر (عليه السلام) : ابتدع الأشياء كلها بعلمه على غير مثال كان ، وابتدع السماوات والأرضين ولم يكن قبلهن سماوات ولا أرضون أ ما تسمع قوله:"و كان عرشه على الماء"؟. وفي الكافي ، بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في قوله:"لا تدركه الأبصار"قال: إحاطة الوهم أ لا ترى إلى قوله:"قد جاءكم بصائر من ربكم ، ليس يعني من البصر بعينه"و من عمي فعليها"ليس يعني عمى العيون إنما عنى إحاطة الوهم كما يقال: فلان بصير بالشعر ، وفلان بصير بالفقه ، وفلان بصير بالدراهم ، وفلان بصير بالثياب ، الله أعظم من أن يرى بالعين: . أقول: ورواه في التوحيد بطريق آخر عنه (عليه السلام) وبإسناده عن أبي هاشم الجعفري عن الرضا (عليه السلام) ."
وفيه ، بإسناده عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن أدخله إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتى بلغ سؤاله التوحيد فقال أبو قرة: إنا روينا: أن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين فقسم الكلام لموسى ولمحمد الرؤية ، فقال: أبو الحسن (عليه السلام) : فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من الجن والإنس ، لا تدركه الأبصار ، ولا يحيطون به علما ، وليس كمثله شيء؟ أ ليس محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ قال: بلى. قال: كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله ، وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله فيقول: لا تدركه الأبصار ، ولا يحيطون به علما ، وليس كمثله شيء ثم يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت به علما وهو على صورة البشر ، أ ما تستحون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي من عند الله بشيء ثم يأتي بخلافه من وجه آخر. قال أبو قرة: فإنه يقول."و لقد رآه نزلة أخرى"فقال أبو الحسن (عليه السلام) : إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال:"ما كذب الفؤاد ما رأى"يقول: ما كذب فؤاد محمد ما رأته عيناه ثم أخبر بما رأى فقال:"لقد رأى من آيات ربه الكبرى"فآيات الله غير الله وقد قال الله:"و لا يحيطون به علما"فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة. فقال أبو قرة: فتكذب بالروايات؟ فقال الرضا (عليه السلام) : إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها ، وما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علما ، ولا تدركه الأبصار ، وليس كمثله شيء.
أقول: وهذا المعنى وارد في أخبار أخر مروية عنهم (عليهم السلام) ، وهناك روايات أخر تثبت الرؤية بمعنى آخر أدق يليق بساحة قدسه تعالى سنوردها إن شاء الله في تفسير سورة الأعراف ، وإنما شدد النكير على الرؤية في هذه الرواية لما أن المشهور من إثبات الرؤية في عصرهم كان هو إثبات الرؤية الجسمانية بالبصر الجسماني التي ينفيها صريح العقل ونص الكتاب ففي تفسير الطبري ، عن عكرمة عن ابن عباس قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى ربه فقال له رجل عند ذلك: أ ليس قال الله: لا تدركه الأبصار؟ فقال له عكرمة: أ لست ترى السماء؟ قال بلى ، قال: فكلها ترى؟ إلى غير ذلك من الأخبار.
والذي تثبته من الرؤية صريح الرؤية الجسمانية بالعضو الباصر ، وقد نفاها العقل والنقل ، وقد فات عكرمة أن لو كان المراد بقوله"لا تدركه الأبصار"هو نفي الإحاطة بجميع أقطار الشيء لم يكن وجه لاختصاصه به تعالى فإن شيئا من الأشياء الجسمانية ولها سطوح مختلفة الجهات كالإنسان والحيوان وسائر الأجسام الأرضية والأجرام السماوية لا يمس الحس الباصر منها إلا ما يواجه الشعاع الدائر بين الباصر والمبصر على ما تعينه قوانين الإبصار المدونة في أبحاث المناظر والمرايا.
فإنا إذا أبصرنا إنسانا مثلا فإنما نبصر منه بعض السطوح الكثيرة المحيطة ببدنه من فوق وتحت والقدام والخلف واليمين واليسار مثلا ، ومن المحال أن يقع البصر على جميع ما يحيط به من مختلف السطوح فلو كان المراد من قوله:"لا تدركه الأبصار"نفي هذا السنخ من الإدراك البصري المحال فيه وفي غيره كان كلاما لا محصل له.