و الظاهر أن"ما"في قوله:"و ما يشعركم"للاستفهام ، والمعنى: وما هو الذي يفيد لكم العلم بواقع الأمر وهو أنهم لا يؤمنون إذا جاءتهم الآيات؟ فالكلام في معنى قولنا: هؤلاء يحلفون بالله لئن جاءتكم الآيات ليؤمنن بها فربما آمنتم وصدقتم بحلفهم وليس لكم علم بأنهم إذا جاءتهم الآيات لا يؤمنون بها لأن الله لم يشأ إيمانهم فالكلام من الملاحم.
وربما قيل: إن"أن"في قوله:"أنها إذا جاءت"إلخ ، بمعنى لعل وهذا معنى شاذ لا يحمل على مثله كلام الله لو ثبت لغة.
قوله تعالى:"و نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة"إلخ ، ظاهر السياق أن الجملة عطف على قوله:"لا يؤمنون"وهي بمنزلة التفسير لعدم إيمانهم ، والمراد بقوله:"أول مرة"الدعوة الأولى قبل نزول الآيات قبال ما يتصور له من المرة الثانية التي هي الدعوة مع نزول الآيات.
والمعنى أنهم لا يؤمنون لو نزلت عليهم الآيات ، وذلك أنا نقلب أفئدتهم فلا يعقلون بها كما ينبغي أن يعقلوه ، وأبصارهم فلا يبصرون بها ما من حقهم أن يبصروه فلا يؤمنون بها كما لم يؤمنوا بالقرآن أول مرة من الدعوة قبل نزول هذه الآيات المفروضة ونذرهم في طغيانهم يترددون ويتحيرون.
هذا ما يقضي به ظاهر سياق الآية.
وللمفسرين في الآية أقوال كثيرة غريبة لا جدوى في التعرض لها والبحث عنها ، من شاء الاطلاع عليها فليراجع مظانها.
قوله تعالى:"و لو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى"إلى آخر الآية بيان آخر لقوله:"إنما الآيات عند الله"وأن قولهم:"لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها"دعوى كاذبة أجرأهم عليها جهلهم بمقام ربهم فليس في وسع الآيات التي يظنون أنها أسباب مستقلة في إيجاد الإيمان في قلوبهم وإقدارهم على التلبس به أن تودع في نفوسهم الإيمان إلا بمشية الله.
فهذا السياق يدل على أن في الكلام حذفا وإيجازا ، والمعنى: ولو أننا أجبناهم في مسألتهم وآتيناهم أعاجيب الآيات فنزلنا إليهم الملائكة فعاينوهم ، وأحيينا لهم الموتى فواجهوهم وكلموهم وأخبروهم بصدق ما يدعون إليه ، وحشرنا وجمعنا عليهم كل شيء قبيلا قبيلا وصنفا صنفا ، أو حشرنا عليهم كل شيء قبلا ومواجهة فشهدوا لهم بلسان الحال أو القال ، ما كانوا ليؤمنوا ولم يؤثر شيء من ذلك في استجابتهم للإيمان إلا أن يشاء الله إيمانهم.
فلا يتم لهم الإيمان بشيء من الأسباب والعلل إلا بمشية الله فإن النظام الكوني على عرضه العريض وإن كان يجري على طبق حكم السببية وقانون العلية العام غير أن العلل والأسباب مفتقرة في أنفسها متدلية إلى ربها غير مستقلة في شيء من شئونها ومقتضياتها فلا يظهر لها حكم إلا بمشية الله ولا يحيى لها رسم إلا بإذنه.
غير أن المشركين أكثرهم - ولعلهم غير العلماء الباغين منهم - يجهلون مقام ربهم ويتعلقون بالأسباب على أنها مستقلة في نفسها مستغنية عن ربها فيظنون أن لو أتاهم سبب الإيمان - وهو الآية المقترحة - آمنوا واتبعوا الحق وقد اختلط عليهم الأمر بجهلهم فأخذوا هذه الأسباب الناقصة المفتقرة إلى مشية الله أسبابا مستقلة تامة مستغنية عنه.
قوله تعالى:"و كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن"إلى آخر الآية الشياطين جمع شيطان وهو في اللغة الشرير غلب استعماله في إبليس الذي يصفه القرآن وذريته ، والجن من الجن بالفتح وهو الاستتار ، وهو في عرف القرآن نوع من الموجودات ذوات الشعور والإرادة مستور عن حواسنا بحسب طبعها وهم غير الملائكة.
يذكر القرآن أن إبليس الشيطان من سنخهم.
والوحي هو القول الخفي بإشارة ونحوها ، والزخرف الزينة المزوقة أو الشيء المزوق فزخرف القول الكلام المزوق المموه الذي يشبه الحق وليس به ، وغرورا مفعول مطلق لفعل مقدر من جنسه أو مفعول له.
والمعنى: ومثل ما جعلنا لك جعلنا لكل نبي عدوا هم شياطين الإنس والجن يشير بعضهم إلى بعض - وكأن المراد وحي شياطين الجن بالوسوسة والنزغة إلى شياطين الإنس ووحي بعض شياطين الإنس إلى بعض آخر منهم بإسرار المكر والتسويل - بأقوال مزوقة وكلمات مموهة يغرونهم بذلك غرورا أو لغرورهم وإضلالهم بذلك.