و قوله:"و لو شاء ربك ما فعلوه"يشير بذلك إلى أن حكم المشية عام جار نافذ فكما أن الآيات لا تؤثر في إيمانهم شيئا إلا بمشية الله كذلك معاداة الشياطين الأنبياء ووحيهم زخرف القول غرورا كل ذلك بإذن الله ولو شاء الله ما فعلوه ولم يوحوا ذلك فلم يكونوا عدوا للأنبياء ، وبهذا المعنى يتصل هذه الآية بما قبلها لاشتراكهما في بيان توقف الأمور على المشية.
وقوله:"فذرهم وما يفترون"تفريع على نفوذ المشية أي إذا كانت هذه المعاداة والإفساد بالوساوس كل ذلك بإذن الله ولم يكونوا بمعجزين لله في مشيته النافذة الغالبة فلا يحزنك ما تشاهد من إخلالهم بالأمر وإفسادهم له بل اتركهم وما يفترونه على الله من دعوى الشريك ونحوها.
فقوله:"و لو شاء ربك ما فعلوه"إلى آخر الآية في معنى قوله في صدر الآيات:"و أعرض عن المشركين ولو شاء الله ما أشركوا".
والكلام في قوله تعالى:"و كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن"إلخ ، حيث أسند ظاهرا جعلهم عدوا للأنبياء - وفيه التسبب إلى الشر والبعث إلى الشرك والمعصية - إلى الله سبحانه وهو منزه من كل شر وسوء نظير الكلام في إسناده تزيين الأعمال إلى الله سبحانه في قوله:"كذلك زينا لكل أمة عملهم"وقد تقدم الكلام فيه ، وكذا الكلام في ظاهر ما يفيده قوله في الآية التالية:"و لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة"إلخ ، حيث جعل هذه المظالم والآثام غايات إلهية للدعوة الحقة.
وللمفسرين في هاتين الآيتين على حسب اختلاف مذاهبهم في انتساب الأعمال إلى الله سبحانه نظائر ما تقدم من أقوالهم في انتساب زينة الأعمال إليه تعالى.
وقد عرفت أن الذي يفيده ظاهر الآية الكريمة أن كل ما يصدق عليه اسم شيء فهو مملوك له تعالى منسوب إليه من غير استثناء لكن الآيات المنزهة لساحة قدسه تعالى من كل سوء وقبح تعطي أن الخيرات والحسنات جميعا مستندة إلى مشيته منسوبة إليه بلا واسطة أو معها ، والشرور والسيئات مستندة إلى غيره تعالى كالشيطان والنفس بلا واسطة ، وإنما تنتسب إليه تعالى بالإذن فهي مملوكة له تعالى واقعة بإذنه ليستقيم أمر الامتحان الإلهي ويتم بذلك أمر الدعوة الإلهية بالأمر والنهي والثواب والعقاب ولو لا ذلك لبطلت ولغت السنة الإلهية في تسيير الإنسان كسائر الأنواع نحو سعادته في هذا العالم الكوني الذي لا سبيل فيه إلى الكمال والسعادة إلا بالسلوك التدريجي.
قوله تعالى:"و لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة"إلى آخر الآية.
الاقتراف هو الاكتساب ، وضمير المفرد للوحي المذكور في الآية السابقة واللازم في قوله:"لتصغى"للغاية والجملة معطوفة على مقدر ، والتقدير: فعلنا ما فعلنا وشئنا ما شئنا ولم نمنع عن وحي بعضهم لبعض زخرف القول غرورا لغايات مستورة ولتصغى وتجيب إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليكتسبوا ما هم مكتسبون لينالوا بذلك جميعا ما يسألونه بلسان استعدادهم من شقاء الآخرة ، فإن الله سبحانه يمد كلا من أهل السعادة وأهل الشقاء بما يتم به سيرهم إلى منازلهم ويرزقهم ما يقترحونه بلسان استعدادهم قال تعالى:"كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا": الإسراء: 20.