فهرس الكتاب

الصفحة 1533 من 4314

و المراد بقوله:"سيجزيهم وصفهم"سيجزيهم نفس وصفهم فإنه يعود وبالا وعذابا عليهم ففيه نوع من العناية ، وقيل: التقدير: سيجزيهم بوصفهم ، وقيل: التقدير: سيجزيهم جزاء وصفهم ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، والمعنى ظاهر.

قوله تعالى:"قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم"إلخ ، رد لما حكي عنهم في الآيات السابقة من الأحكام المفتراة وهي قتل الأولاد وتحريم أصناف من الأنعام والحرث وذكر أن ذلك منهم خسران وضلال من غير اهتداء.

وقد وصف قتل الأولاد بأنه سفه بغير علم ، وكذلك بدل الأنعام والحرث من قوله ما رزقهم الله ووصف تحريمها بأنه افتراء على الله ليكون في ذلك تنبيه كالتعليل على خسرانهم في ذلك كأنه قيل: خسروا في قتلهم أولادهم لأنهم سفهوا به سفها بغير علم ، وخسروا في تحريمهم أصنافا من الأنعام والحرث افتراء على الله لأنها من رزق الله وحاشاه تعالى أن يرزقهم شيئا ثم يحرمه عليهم.

ثم بين تعالى ضلالهم في تحريم الحرث والأنعام مع كونها من رزق الله بيانا تفصيليا بالاحتجاج من ناحية العقل ومصلحة معاش العباد بقوله:"و هو الذي أنشأ جنات"إلى تمام أربع آيات ، ثم من ناحية السمع ونزول الوحي بقوله:"قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه"إلى تمام الآية.

فيكون محصل الآيات الخمس أن تحريمهم أصنافا من الحرث والأنعام ضلال منهم لا يساعدهم على ذلك حجة فلا العقل ورعاية مصلحة العباد يدلهم على ذلك ، ولا الوحي النازل من الله سبحانه يهديهم إليه فهم في خسران منه.

قوله تعالى:"و هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات - إلى قوله - وغير متشابه"الشجرة المعروشة هي التي ترفع أغصانها بعضا على بعض بدعائم كالكرم وأصل العرش الرفع فالجنات المعروشات هي بساتين الكرم ونحوها ، والجنات غير المعروشات ما كانت أشجارها قائمة على أصولها من غير دعائم.

وقوله:"و الزرع مختلفا أكله"أي ما يؤكل منه من الحبات كالحنطة والشعير والعدس والحمص.

وقوله:"و الزيتون والرمان متشابها وغير متشابه"أي متشابه كل منها وغير متشابه على ما يفيده السياق ، والتشابه بين الثمرتين باتحادهما في الطعم أو الشكل أو اللون أو غير ذلك.

قوله تعالى:"كلوا من ثمره إذا أثمر"إلى آخر الآية ، الأمر للإباحة لوروده في رفع الحظر الذي يدل عليه إنشاء الجنات والنخل والزرع وغيرها ، والسياق يدل على أن تقدير الكلام: وهو الذي أنشأ جنات والنخل والزرع إلخ ، وأمركم بأكل ثمر ما ذكر وأمركم بإيتاء حقه يوم حصاده ، ونهاكم عن الإسراف.

فأي دليل أدل من ذلك على إباحتها؟ وقوله:"و آتوا حقه يوم حصاده"أي الحق الثابت فيه المتعلق به فالضمير راجع إلى الثمر وأضيف إليه الحق لتعلقه به كما يضاف الحق أيضا إلى الفقراء لارتباطه بهم وربما احتمل رجوع الضمير إلى الله كالضمير الذي بعده في قوله:"إنه لا يحب المسرفين"وإضافته إليه تعالى لانتسابه إليه بجعله.

وهذا إشارة إلى جعل حق ما للفقراء في الثمر من الحبوب والفواكه يؤدي إليهم يوم الحصاد يدل عليه العقل ويمضيه الشرع وليس هو الزكاة المشرعة في الإسلام إذ ليست في بعض ما ذكر في الآية زكاة.

على أن الآية مكية وحكم الزكاة مدني.

نعم لا يبعد أن يكون أصلا لتشريعها فإن أصول الشرائع النازلة في السور المدنية نازلة على وجه الإجمال والإبهام في السور المكية كقوله تعالى بعد عدة آيات عند تعداد كليات المحرمات:"قل تعالوا أتل ما حرم ربكم إلى أن قال - ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن": الأنعام: 151.

وقوله:"و لا تسرفوا"إلخ ، أي لا تتجاوزوا الحد الذي يصلح به معاشكم بالتصرف فيه فلا يتصرف صاحب المال منكم بالإسراف في أكله أو التبذير في بذله أو وضعه في غير موضعه من معاصي الله وهكذا ، ولا يسرف الفقير الأخذ بتضييعه ونحو ذلك ، ففي الكلام إطلاق ، والخطاب فيه لجميع الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت