فهرس الكتاب

الصفحة 1539 من 4314

و قد قدم الشرك على سائر المحرمات لأنه الظلم العظيم الذي لا مطمع في المغفرة الإلهية معه قال:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء": النساء: 48 وإليه ينتهي كل معصية كما ينتهي إلى التوحيد بوجه كل حسنة.

قوله تعالى:"و بالوالدين إحسانا"أي أحسنوا بالوالدين إحسانا ، وفي المجمع: ، أي وأوصى بالوالدين إحسانا ، ويدل على ذلك أن في"حرم كذا"معنى أوصى بتحريمه وأمر بتجنبه.

انتهى.

وقد عد في مواضع من القرآن الكريم إحسان الوالدين تاليا للتوحيد ونفي الشرك فأمر به بعد الأمر بالتوحيد أو النهي عن الشرك به كقوله:"و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا": الإسراء: 23 وقوله:"و إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه": لقمان: 14 وغير ذلك من الآيات.

ويدل ذلك على أن عقوق الوالدين من أعظم الذنوب أو هو أعظمها بعد الشرك بالله العظيم ، والاعتبار يهدي إلى ذلك فإن المجتمع الإنساني الذي لا يتم للإنسان دونه حياة ولا دين هو أمر وضعي اعتباري لا يحفظه في حدوثه وبقائه إلا حب النسل الذي يتكىء على رابطة الرحمة المتكونة في البيت القائمة بالوالدين من جانب وبالأولاد من جانب آخر ، والأولاد إنما يحتاجون إلى رحمتهما وإحسانهما في زمان تتوق أنفسهما إلى نحو الأولاد بحسب الطبع ، وكفى به داعيا ومحرضا لهما إلى الإحسان إليهم بخلاف حاجتهم إلى رأفة الأولاد ورحمتهم فإنها بالطبع يصادف كبرهما ويوم عجزهما عن الاستقلال بالقيام بواجب حياتهما وشباب الأولاد وقوتهم على ما يعنيهم.

وجفاء الأولاد للوالدين وعقوقهم لهما يوم حاجتهما إليهم ورجائهما منهم وانتشار ذلك بين النوع يؤدي بالمقابلة إلى بطلان عاطفة التوليد والتربية ، ويدعو ذلك من جهة إلى ترك التناسل وانقطاع النسل ، ومن جهة إلى كراهية تأسيس البيت والتكاهل في تشكيل المجتمع الصغير ، والاستنكاف عن حفظ سمة الأبوة والأمومة ، وينجر إلى تكون طبقة من الذرية الإنسانية لا قرابة بينهم ولا أثر من رابطة الرحم فيهم ، ويتلاشى عندئذ أجزاء المجتمع ، ويتشتت شملهم ، ويتفرق جمعهم ، ويفسد أمرهم فسادا لا يصلحه قانون جار ولا سنة دائرة ، ويرتحل عنهم سعادة الدنيا والآخرة ، وسنقدم إليك بحثا ضافيا في هذه الحقيقة الدينية إن شاء الله.

قوله تعالى:"و لا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم"الإملاق الإفلاس من المال والزاد ومنه التملق ، وقد كان هذا كالسنة الجارية بين العرب في الجاهلية لتسرع الجدب والقحط إلى بلادهم فكان الرجل إذا هدده الإفلاس بادر إلى قتل أولاده تأنفا من أن يراهم على ذلة العدم والجوع.

وقد علل النهي بقوله:"نحن نرزقكم وإياهم"أي إنما تقتلونهم مخافة أن لا تقدروا على القيام بأمر رزقهم ولستم برازقين لهم بل الله يرزقكم وإياهم جميعا فلا تقتلوهم.

قوله تعالى:"و لا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن"الفواحش جمع فاحشة وهي الأمر الشنيع المستقبح ، وقد عد الله منها في كلامه الزنا واللواط وقذف المحصنات ، والظاهر أن المراد مما ظهر ومما بطن العلانية والسر كالزنا العلني واتخاذ الأخدان والأخلاء سرا.

وفي استباحة الفاحشة إبطال فحشها وشناعتها ، وفي ذلك شيوعها لأنها من أعظم ما تتوق إليه النفس الكارهة لأن يضرب عليها بالحرمان من ألذ لذائذها وتحجب عن أعجب ما تتعلق به وتعزم به شهوتها ، وفي شيوعها انقطاع النسل وبطلان المجتمع البيتي وفي بطلانه بطلان المجتمع الكبير الإنساني ، وسوف نستوفي هذا البحث إن شاء الله فيما يناسبه من المحل.

وكذلك استباحة القتل وما في تلوه من الفحشاء إبطال للأمن العام وفي بطلانه انهدام بنية المجتمع الإنساني وتبدد أركانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت