فهرس الكتاب

الصفحة 1540 من 4314

قوله تعالى:"و لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق"أي حرم الله قتلها أو حرمها بالحرمة المشرعة لها التي تقيها وتحميها من الضيعة في دم أو حق ، قيل: إنه تعالى أعاد ذكر القتل وإن كان داخلا في الفواحش تفخيما لشأنه وتعظيما لأمره ، ونظيره الكلام في قتل الأولاد خشية الإملاق اختص بالذكر عناية به ، وقد كانت العرب تفعل ذلك بزعمهم أن خشية الإملاق تبيح للوالد أن يقتل أولاده ، ويصان به ماء وجهه من الابتذال ، والأبوة عندهم من أسباب الملك.

وقد استثنى الله تعالى من جهة قتل النفس المحترمة التي هي نفس المسلم والمعاهد قتلها بالحق وهو القتل بالقود والحد الشرعي.

ثم أكد تحريم المذكورات في الآية بقوله:"ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون"سيجيء الوجه في تعليل هذه المناهي الخمس بقوله:"لعلكم تعقلون".

قوله تعالى:"و لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده"النهي عن القرب للدلالة على التعميم فلا يحل أكل ماله ولا استعماله ولا أي تصرف فيه إلا بالطريقة التي هي أحسن الطرق المتصورة لحفظه ، ويمتد هذا النهي وتدوم الحرمة إلى أن يبلغ أشده فإذا بلغ أشده لم يكن يتيما قاصرا عن إدارة ماله وكان هو المتصرف في مال نفسه من غير حاجة بالطبع إلى تدبير الولي لماله.

ومن هنا يظهر أن المراد ببلوغه أشده هو البلوغ والرشد كما يدل عليه أيضا قوله:"و ابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا": النساء: 6.

ويظهر أيضا أنه ليس المراد بتحديد حرمة التصرف في مال اليتيم بقوله:"حتى يبلغ أشده"رفع الحرمة بعد بلوغ الأشد وإباحة التصرف حينئذ بل المراد بيان الوقت الذي يصلح للاقتراب من ماله ، وارتفاع الموضوع بعده فإن الكلام في معنى: وأصلحوا مال اليتيم الذي لا يقدر على إصلاح ماله وإنمائه حتى يكبر ويقدر.

قوله تعالى:"و أوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها"الإيفاء بالقسط هو العمل بالعدل فيهما من غير بخس ، وقوله:"لا نكلف نفسا إلا وسعها"بمنزلة دفع الدخل كأنه قيل: إن الإيفاء بالقسط والوقوع في العدل الحقيقي الواقعي لا يمكن للنفس الإنسانية التي لا مناص لها عن أن تلتجىء في أمثال هذه الأمور إلى التقريب فأجيب بأنا لا نكلف نفسا إلا وسعها ، ومن الجائز أن يتعلق قوله:"لا نكلف نفسا إلا وسعها"بالحكمين جميعا أعني قوله:"و لا تقربوا مال اليتيم"إلخ ، وقوله:"و أوفوا الكيل والميزان".

قوله تعالى:"و إذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى"ذكر ذي القربى وهو الذي تدعو عاطفة القرابة والرحم إلى حفظ جانبه وصيانته من وقوع الشر والضرر في نفسه وماله يدل على أن المراد بالقول هو القول الذي يمكن أن يترتب عليه انتفاع الغير أو تضرره كما أن ذكر العدل في القول يؤيد ذلك ، ويدل على أن هناك ظلما ، وأن القول متعلق ببعض الحقوق كالشهادة والقضاء والفتوى ونحو ذلك.

فالمعنى: وراقبوا أقوالكم التي فيها نفع أو ضرر للناس واعدلوا فيها ، ولا يحملنكم رحمة أو رأفة أو أي عاطفة على أن تراعوا جانب أحد فتحرفوا الكلام وتجاوزوا الحق فتشهدوا أو تقضوا بما فيه رعاية لجانب من تحبونه وإبطال حق من تكرهونه.

قال في المجمع: ، وهذا من الأوامر البليغة التي يدخل فيها مع قلة حروفها الأقارير والشهادات ، والوصايا والفتاوى ، والقضايا ، والأحكام ، والمذاهب ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر.

قوله تعالى:"و بعهد الله أوفوا"قال الراغب في المفردات ،: العهد حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال.

انتهى.

ولذا يطلق على الفرامين والتكاليف المشرعة والوظائف المحولة وعلى العهد الذي هو الموثق وعلى النذر واليمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت