و كثرة استعماله في القرآن الكريم في الفرامين الإلهية ، وإضافته في الآية إلى الله سبحانه ، ومناسبة المورد وفيه بيان الأحكام والوصايا الإلهية العامة كل ذلك يؤيد أن يكون المراد بقوله:"و بعهد الله أوفوا"التكاليف الدينية الإلهية ، وإن كان من الممكن أن يكون المراد بالعهد هو الميثاق المعقود بمثل قولنا: عاهدت الله على كذا وكذا ، قال تعالى:"و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا": الإسراء: 34 فيكون إضافته إلى الله نظير إضافة الشهادة إليه في قوله:"و لا نكتم شهادة الله": المائدة: 106 للإشارة إلى أن المعاملة فيه معه سبحانه.
ثم أكد التكاليف المذكورة في الآية بقوله:"ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون".
قوله تعالى:"و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله"إلى آخر الآية ، قرىء:"و أن"بفتح الهمزة وتشديد النون وتخفيفها وكأنه بالعطف على موضع قوله:"ألا تشركوا به شيئا"وقرىء بكسر الهمزة على الاستئناف.
والذي يعطيه سياق الآيات أن يكون مضمون هذه الآية أحد الوصايا التي أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتلوها عليهم ويخبرهم بها حيث قيل:"قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم"، ولازم ذلك أن يكون قوله:"و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه"مسوقا لا لتعلق الغرض به بنفسه لأن كليات الدين قد تمت في الآيتين السابقتين عليه بل ليكون توطئة وتمهيدا لقوله بعده:"و لا تتبعوا السبل"كما أن هذه الجملة بعينها كالتوطئة لقوله:"فتفرق بكم عن سبيله"فالمراد بالآية أن لا تتفرقوا عن سبيله ولا تختلفوا فيه ، فتكون الآية مسوقة سوق قوله:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه": الشورى: 13 فالأمر في الآية بإقامة الدين هو ما وصى من الدين المشروع كأنه أعيد ليكون تمهيدا للنهي عن التفرق بالدين.
فالمعنى: ومما حرم ربكم عليكم ووصاكم به أن لا تتبعوا السبل التي دون هذا الصراط المستقيم الذي لا يقبل التخلف والاختلاف وهي غير سبيل الله فإن اتباع السبل دونه يفرقكم عن سبيله فتختلفون فيه فتخرجون من الصراط المستقيم إذ الصراط المستقيم لا اختلاف بين أجزائه ولا بين سالكيه.
ومقتضى ظاهر السياق أن يكون المراد بقوله:"صراطي"صراط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه هو الذي يخاطب الناس بهذه التكاليف عن أمر من ربه إذ يقول:"قل تعالوا أتل"إلخ ، فهو المتكلم معهم المخاطب لهم ، ولله سبحانه في الآيات مقام الغيبة حتى في ذيل هذه الآية إذ يقول:"فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به"ولا ضير في نسبة الصراط المستقيم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد نسب الصراط المستقيم إلى جمع من عباده الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في قوله:"اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم": الحمد: 7.
لكن المفسرين كأنهم تسلموا أن ضمير التكلم في قوله:"صراطي"لله سبحانه ففي الآية نوع من الالتفات لكن لا في قوله:"صراطي"بل في قوله:"عن سبيله"فإن معنى الآية: تعالوا أتل عليكم ما وصاكم به ربكم وهو أنه يقول لكم:"إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه"أو وصيته"إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيلي"فالالتفات - كما مر - إنما هو في قوله:"عن سبيله".
وكيف كان فهو تعالى في الآية يسمي ما ذكره من كليات الدين بأنه صراطه المستقيم الذي لا تخلف في هداية سالكيه وإيصالهم إلى المقصد ولا اختلاف بين أجزائه ولا بين سالكيه ما داموا عليه فلا يتفرقون البتة ثم ينهاهم عن اتباع سائر السبل فإن من شأنها إلقاء الخلاف والتفرقة لأنها طرق الأهواء الشيطانية التي لا ضابط يضبطها بخلاف سبيل الله المبني على الفطرة والخلقة ولا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم.
ثم أكد سبحانه حكمه في الآية بقوله:"ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون".
وقد اختلفت الخواتيم في الآيات الثلاث فختمت الآية الأولى بقوله:"ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون"والثانية بقوله:"ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون"والثالثة بقوله:"ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون".