قوله تعالى:"فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين"تتميم للتذكير يبين أن الإنسان بوجدانه وسره يشاهد الظلم من نفسه إن اتخذ من دون الله أولياء بالشرك ، وأن السنة الإلهية أن يأخذ منه الاعتراف بذلك ببأس العذاب إن لم يعترف به طوعا ولم يخضع لمقام الربوبية فليعترف اختيارا وإلا فسيعترف اضطرارا.
قوله تعالى:"فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين"دل البيان السابق على أنهم مكلفون بتوحيد الله سبحانه موظفون برفض الأولياء من دونه غير مخلين وما فعلوا ، ولا متروكون وما شاءوا ، فإذا كان كذلك فهم مسئولون عما أمروا به من الإيمان والعمل الصالح ، وما كلفوا به من القول الحق ، والفعل الحق وهذا الأمر والتكليف قائم بطرفين: الرسول الذي جاءهم به والقوم الذين جاءهم ، ولهذا فرع على ما تقدم من حديث إهلاك القرى وأخذ الاعتراف منهم بالظلم قوله:"فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين".
وقد ظهر بذلك أن المراد بالذين أرسل إليهم الناس وبالمرسلين الأنبياء والرسل (عليهم السلام) ، وما قيل: إن المراد بالذين أرسل إليهم الأنبياء ، وبالمرسلين الملائكة لا يلائم السياق إذ لا وجه لإخراج المشركين عن شمول السؤال والكلام فيهم.
على أن الآية التالية لا تلائم ذلك أيضا.
على أن الملائكة لم يدخلوا في البيان السابق بوجه لا بالذات ولا بالتبع.
قوله تعالى: فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين"دل البيان السابق على أنهم مربوبون مدبرون فسيسألون عن أعمالهم ليجزوا بما عملوا ، وهذا إنما يتم فيما إذا كان السائل على علم من أمر أعمالهم فإن المسئول لا يؤمن أن يكذب لجلب النفع إلى نفسه ودفع الضرر عن نفسه في مثل هذا الموقف الصعب الهائل الذي يهدده بالهلاك الخالد والخسران المؤبد."
ولذلك فرع عليه قوله:"فلنقصن عليهم بعلم"إلخ ، وقد نكر العلماء للاعتناء بشأنه وأنه علم لا يخطىء ولا يغلط ، ولذلك أكده بعطف قوله:"و ما كنا غائبين"عليه للدلالة على أنه كان شاهدا غير غائب ، وإن وكل عليهم من الملائكة من يحفظ عليهم أعمالهم بالكتابة فإنه بكل شيء محيط.
قوله تعالى:"و الوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون إلى آخر الآيتين"الآيتان تخبران عن الوزن وهو توزين الأعمال أو الناس العاملين من حيث عملهم ، والدليل عليه قوله تعالى:"و نضع الموازين القسط ليوم القيامة - إلى أن قال - وكفى بنا حاسبين"الأنبياء: 47 ، حيث دل على أن هذا الوزن من شعب حساب الأعمال ، وأوضح منه قوله:"يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره": الزلزال: 8 ، حيث ذكر العمل وأضاف الثقل إليه خيرا وشرا.
وبالجملة الوزن إنما هو للعمل دون عامله فالآية تثبت للعمل وزنا سواء كان خيرا أو شرا غير أن قوله تعالى:"أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا": الكهف: 105 ، يدل على أن الأعمال في صور الحبط - وقد تقدم الكلام فيه في الجزء الثاني من هذا الكتاب - لا وزن لها أصلا ، ويبقى للوزن أعمال من لم تحبط أعماله.