فهرس الكتاب

الصفحة 1562 من 4314

و قوله:"و لقد خلقناكم ثم صورناكم"الخطاب فيه لعامة الآدميين وهو خطاب امتناني كما مر نظيره في الآية السابقة لأن المضمون هو المضمون وإنما يختلفان بالإجمال والتفصيل.

وعلى هذا فالانتقال في الخطاب من العموم إلى الخصوص أعني قوله:"ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم"بعد قوله:"و لقد خلقناكم ثم صورناكم"يفيد بيان حقيقتين: الأولى: أن السجدة كانت من الملائكة لجميع بني آدم أي للنشأة الإنسانية وإن كان آدم (عليه السلام) هو القبلة المنصوبة للسجدة فهو (عليه السلام) في أمر السجدة كان مثالا يمثل به الإنسانية نائبا مناب أفراد الإنسان على كثرتهم لا مسجودا له من جهة شخصه كالكعبة المجعولة قبلة يتوجه إليها في العبادات ، وتمثل بها ناحية الربوبية.

ويستفاد هذا المعنى أولا من قصة الخلافة المذكورة في سورة البقرة آية 30 - 33 فإن المستفاد من الآيات هناك أن أمر الملائكة بالسجدة متفرع على الخلافة ، والخلافة المذكورة في الآيات كما استفدناه هناك - غير مختصة بآدم بل جارية في عامة الآدميين فالسجدة أيضا للجميع.

وثانيا: أن إبليس تعرض لهم أي لبني آدم ابتداء من غير توسيط آدم ولا تخصيصه (عليه السلام) بالتعرض حين قال على ما حكاه الله سبحانه:"فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم"إلخ من غير سبق ذكر لبني آدم ، وقد ورد نظيره في سورة الحجر حيث قال:"رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين": الحجر: 39 ، وفي سورة ص حيث قال:"فبعزتك لأغوينهم أجمعين": ص: 82 ، ولو لا أن الجميع مسجودون بنوعيتهم للملائكة لم يستقم له أن ينقم منهم هذه النقمة ابتداء وهو ظاهر.

وثالثا: أن الخطابات التي خاطب الله سبحانه بها آدم (عليه السلام) كما في سورة البقرة وسورة طه عممها بعينها في هذه السورة لجميع بنيه ، قال تعالى:"يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم"إلخ.

والحقيقة الثانية: أن خلق آدم (عليه السلام) كان خلقا للجميع كما يدل عليه أيضا قوله تعالى:"و بدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين": السجدة: 8 وقوله:"هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة": المؤمن: 67 ، على ما هو ظاهر الآيتين أن المراد بالخلق من تراب هو الذي كان في آدم (عليه السلام) .

ويشعر بذلك أيضا قول إبليس في ضمن القصة على ما حكاه الله سبحانه في سورة إسراء:"لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا"الآية ، ولا يخلو عن إشعار به أيضا قوله تعالى:"و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم"الآيات: الأعراف: 172 على ما سيجيء من بيانه.

وللمفسرين في الآية أقوال مختلفة قال في مجمع البيان ،: ثم ذكر سبحانه نعمته في ابتداء الخلق فقال:"و لقد خلقناكم ثم صورناكم"قال الأخفش:"ثم"هاهنا في معنى الواو ، وقال الزجاج: وهذا خطأ لا يجوزه الخليل وسيبويه وجميع من يوثق بعلمه إنما"ثم"للشيء الذي يكون بعد المذكور قبله لا غير ، وإنما المعنى في هذا الخطاب ذكر ابتداء الخلق أولا فالمراد أنا بدأنا خلق آدم ثم صورناه فابتدأ خلق آدم من التراب ثم وقعت السورة بعد ذلك فهذا معنى خلقناكم ثم صورناكم"ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم"بعد الفراغ من خلق آدم ، وهذا مروي عن الحسن ، ومن كلام العرب: فعلنا بكم كذا وكذا وهم يعنون أسلافهم ، وفي التنزيل:"و إذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور"أي ميثاق أسلافكم.

وقد قيل في ذلك أقوال أخر: منها أن معناه خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، عن ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة والسدي.

ومنها: أن الترتيب واقع في الإخبار فكأنه قال: خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم كما يقول القائل: أنا راجل ثم أنا مسرع ، وهذا قول جماعة من النحويين منهم علي بن عيسى والقاضي أبو سعيد السيرافي وغيرهما ، وعلى هذا فقد قيل: إن المعنى: خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء عن عكرمة وقيل خلقناكم في الرحم ثم صورناكم بشق السمع والبصر وسائر الأعضاء انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت