أما ما نقله عن الزجاج من الوجه ففيه أولا أن نسبة شيء من صفات السابقين أو أعمالهم إلى أعقابهم إنما تصح إذا اشترك القبيلان في ذلك بنوع من الاشتراك كما فيما أورده من المثال لا بمجرد علاقة النسب والسبق واللحوق حتى يصح بمجرد الانتساب النسلي أن تعد خلقة نفس آدم خلقا لبنيه من غير أن يكون خلقه خلقا لهم بوجه.
وثانيا: أن ما ذكره لو صح به أن يعد خلق آدم وتصويره خلقا وتصويرا لبنيه صح أن يعد أمر الملائكة بالسجدة له أمرا لهم بالسجدة لبنيه كما جرى على ذلك في قوله:"و إذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور"فما باله قال:"ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم"ولم يقل:"ثم قلنا للملائكة اسجدوا للإنسان".
وأما ما نقله أخيرا من أقوالهم فوجوه سخيفة غير مفهومة من لفظ الآية ، ولعل القائلين بها لا يرضون أن يتأول في كلامهم أنفسهم بمثل هذه الوجوه فكيف يحمل على مثلها أبلغ الكلام؟.
قوله تعالى:"فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين"أخبر تعالى عن سجود الملائكة جميعا كما يصرح به في قوله:"فسجد الملائكة كلهم أجمعون": الحجر: 30 ، واستثنى منهم إبليس وقد علل عدم ائتماره بالأمر في موضع آخر بقوله:"كان من الجن ففسق عن أمر ربه": الكهف: 50 ، وقد وصف الملائكة بمثل قوله:"بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": الأنبياء: 27 ، وهو بظاهره يدل على أنه من غير نوع الملائكة.
ولهذا وقع الخلاف بينهم في توجيه هذا الاستثناء: أ هو استثناء متصل بتغليب الملائكة لكونهم أكثر وأشرف أو أنه استثناء منفصل وإنما أمر بأمر على حدة غير الأمر المتوجه إلى جمع الملائكة وإن كان ظاهر قوله:"ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك"أن الأمر لم يكن إلا واحدا وهو الذي وجهه الله إلى الملائكة.
والذي يستفاد من ظاهر كلامه تعالى أن إبليس كان مع الملائكة من غير تميز له منهم والمقام الذي كان يجمعهم جميعا كان هو مقام القدس كما يستفاد من قصة ذكر الخلافة"و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أ تجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك": البقرة: 30 ، وإن الأمر بالسجود إنما كان متوجها إلى ذلك المقام أعني إلى المقيمين بذلك المقام من جهة مقامهم كما يشير إليه قوله تعالى في ما سيأتي:"قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها"والضمير إلى المنزلة أو إلى السماء أو الجنة ومآلهما إلى المنزلة والمقام ولو كان الخطاب متوجها إليهم من غير دخل المنزلة والمقام في ذلك لكان من حق الكلام أن يقال:"فما يكون لك أن تتكبر".
وعلى هذا لم يكن بينه وبين الملائكة فرق قبل ذلك؟ وعند ذلك تميز الفريقان ، وبقي الملائكة على ما يقتضيه مقامهم ومنزلتهم التي حلوا فيها ، وهو الخضوع العبودي والامتثال كما حكاه الله عنهم: "بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون فهذه حقيقة حياة الملائكة وسنخ أعمالهم ، وقد بقوا على ذلك وخرج إبليس من المنزلة التي كان يشاركهم فيها كما يشير إليه قوله:"كان من الجن ففسق عن أمر ربه"والفسق خروج التمرة عن قشرها فتميز منهم فأخذ حياة لا حقيقة لها إلا الخروج من الكرامة الإلهية وطاعة العبودية."
والقصة وإن سيقت مساق القصص الاجتماعية المألوفة بيننا وتضمنت أمرا وامتثالا وتمردا واحتجاجا وطردا ورجما وغير ذلك من الأمور التشريعية والمولوية غير أن البيان السابق على استفادته من الآيات يهدينا إلى كونها تمثيلا للتكوين بمعنى أن إبليس على ما كان عليه من الحال لم يقبل الامتثال أي الخضوع للحقيقة الإنسانية فتفرعت عليه المعصية ، ويشعر به قوله تعالى:"فما يكون لك أن تتكبر فيها"فإن ظاهره أن هذا المقام لا يقبل لذاته التكبر فكان تكبره فيه خروجه منه وهبوطه إلى ما هو دونه.
على أن الأمر بالسجود - كما عرفت - أمر واحد توجه إلى الملائكة وإبليس جميعا بعينه ، والأمر المتوجه إلى الملائكة ليس من شأنه أن يكون مولويا تشريعيا بمعنى الأمر المتعلق بفعل يتساوى نسبة مأمورة إلى الطاعة والمعصية والسعادة والشقاوة فإن الملائكة مجبولون على الطاعة مستقرون في مقر السعادة كما أن إبليس واقع في الجانب المخالف لذلك على ما ظهر من أمره بتوجيه الأمر إليه.