فهرس الكتاب

الصفحة 1564 من 4314

فلو لا أن الله سبحانه خلق آدم وأمر الملائكة وإبليس جميعا بالسجود له لكان إبليس على ما كان عليه من منزلة القرب غير متميز من الملائكة لكن خلق الإنسان شق المقام مقامين: مقام القرب ومقام البعد ، وميز السبيل سبيلين: سبيل السعادة وسبيل الشقاوة.

قوله تعالى:"قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"يريد ما منعك أن تسجد كما وقع في سورة ص من قوله:"قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي": ص: 75 ، ولذلك ربما قيل: إن"لا"زائدة جيء بها للتأكيد كما في قوله:"لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله": الحديد: 29.

والظاهر أن"منع"مضمن نظير معنى حمل أو دعا ، والمعنى: ما حملك أو ما دعاك على أن لا تسجد مانعا لك.

وقوله:"قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"يحكي عما أجاب به لعنه الله ، وهو أول معصيته وأول معصية عصي بها الله سبحانه فإن جميع المعاصي ترجع بحسب التحليل إلى دعوى الإنية ومنازعة الله سبحانه في كبريائه ، وله رداء الكبرياء لا شريك له فيه ، فليس لعبد مخلوق أن يعتمد على ذاته ويقول: أنا قبال الإنية الإلهية التي عنت له الوجود ، وخضعت له الرقاب ، وخشعت له الأصوات ، وذل له كل شيء.

ولو لم تنجذب نفسه إلى نفسه ، ولم يحتبس نظره في مشاهدة إنيته لم يتقيد باستقلال ذاته ، وشاهد الإله القيوم فوقه فذلت له إنيته ذلة تنفي عنه كل استقلال وكبرياء فخضع للأمر الإلهي ، وطاوعته نفسه في الائتمار والامتثال ، ولم تنجذب نفسه إلى ما كان يتراءى من كونه خيرا منه لأنه من النار وهو من الطين بل انجذبت نفسه إلى الأمر الصادر عن مصدر العظمة والكبرياء ومنبع كل جمال وجلال.

وكان من الحري إذا سمع قوله:"ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك"أن يأتي بما يطابقه من الجواب كأن يقول: منعني أني خير منه لكنه أتى بقوله:"أنا خير منه"ليظهر به الإنية ، ويفيد الثبات والاستمرار ، ويستفاد منه أيضا أن المانع له من السجدة ما يرى لنفسه من الخيرية فقوله:"أنا خير منه"أظهر وآكد في إفادة التكبر.

ومن هنا يظهر أن هذا التكبر هو التكبر على الله سبحانه دون التكبر على آدم.

ثم إنه في قوله:"أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"استدل على كونه خيرا من آدم بمبدإ خلقته وهو النار وأنها خير من الطين الذي خلق منه آدم وقد صدق الله سبحانه ما ذكره من مبدإ خلقته حيث ذكر أنه كان من الجن ، وأن الجن مخلوق من النار قال تعالى:"كان من الجن ففسق عن أمر ربه": الكهف: 50 وقال:"و لقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون والجان خلقناه من قبل من نار السموم": الحجر: 27 ، وقال أيضا:"خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار": الرحمن: 15.

لكنه تعالى لم يصدقه فيما ذكره من خيريته منه فإنه تعالى وإن لم يرد عليه قوله"أنا خير منه خلقتني من نار"إلخ ، في هذه السورة إلا أنه بين فضل آدم عليه وعلى الملائكة في حديث الخلافة الذي ذكره في سورة البقرة للملائكة.

على أنه تعالى ذكر القصة في موضع آخر بقوله:"إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"إلخ: ، ص: 76.

فبين أولا أنهم لم يدعوا إلى السجود له لمادته الأرضية التي سوي منها ، وإنما دعوا إلى ذلك لما سواه ونفخ فيه من روحه الخاص به تعالى الحاملة للشرف كل الشرف والمتعلقة لتمام العناية الربانية ، ويدور أمر الخيرية في التكوينيات مدار العناية الإلهية لا لحكم من ذواتها فلا حكم إلا لله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت