فهرس الكتاب

الصفحة 1567 من 4314

قوله تعالى:"قال اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين"التكبر هو أخذ الإنسان مثلا الكبر لنفسه وظهوره به على غيره فإن الكبر والصغر من الأمور الإضافية ، ويستعمل في المعاني غالبا فإذا أظهر الإنسان بقول أو فعل أنه أكبر من غيره شرفا أو جاها أو نحو ذلك فقد تكبر عليه وعده صغيرا ، وإذ كان لا شرف ولا كرامة لشيء على شيء إلا ما شرفه الله وكرمه كان التكبر صفة مذمومة في غيره تعالى على الإطلاق إذ ليس لما سواه تعالى إلا الفقر والمذلة في أنفسهم من غير فرق بين شيء وشيء ولا كرامة إلا بالله ومن قبله ، فليس لأحد من دون الله أن يتكبر على أحد ، وإنما هو صفة خاصة بالله سبحانه فهو الكبير المتعال على الإطلاق فمن التكبر ما هو حق محمود وهو الذي لله عز اسمه أو ينتهي إليه بوجه كالتكبر على أعداء الله الذي هو في الحقيقة اعتزاز بالله ، ومنه ما هو باطل مذموم وهو الذي يوجد عند غيره بدعوى الكبر لنفسه لا بالحق.

والصاغرين جمع صاغر من الصغار وهو الهوان والذلة ، والصغار في المعاني كالصغر في الصور ، وقوله:"فاخرج إنك من الصاغرين"تفسير وتأكيد لقوله"فاهبط منها"لأن الهبوط هو خروج الشيء من مستقره نازلا فيدل ذلك على أن الهبوط المذكور إنما كان هبوطا معنويا لا نزولا من مكان جسماني إلى مكان آخر ، ويتأيد به ما تقدم أن مرجع الضمير في قوله:"منها"وقوله:"فيها"هو المنزلة دون السماء أو الجنة إلا أن يرجعا إلى المنزلة بوجه.

والمعنى: قال الله تعالى: فتنزل عن منزلتك حيث لم تسجد لما أمرتك فإن هذه المنزلة منزلة التذلل والانقياد لي فما يحق لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين أهل الهوان ، وإنما أخذ بالصغار ليقابل به التكبر.

قوله تعالى:"قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين"استمهال وإمهال ، وقد فصل الله تعالى ذلك في موضع آخر بقوله:"قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم": الحجر: 38 ، ص: 81 ، ومنه يعلم أنه أمهل بالتقييد لا بالإطلاق الذي ذكره فلم يمهل إلى يوم البعث بل ضرب الله لمهلته أجلا دون ذلك وهو يوم الوقت المعلوم ، وسيجيء الكلام فيه في سورة الحجر إن شاء الله تعالى.

فقوله تعالى:"إنك من المنظرين"إنما يدل على إجمال ما أمهل به ، وفيه دلالة على أن هناك منظرين غيره.

واستمهاله إلى يوم البعث يدل على أنه كان من همه أن يديم على إغواء هذا النوع في الدنيا وفي البرزخ جميعا حتى تقوم القيامة فلم يجبه الله سبحانه إلى ما استدعاه بل لعله أجابه إلى ذلك إلى آخر الدنيا دون البرزخ فلا سلطان له في البرزخ سلطان الإغواء والوسوسة وإن كان ربما صحب الإنسان بعد موته في البرزخ مصاحبة الزوج والقرين كما يدل عليه ظاهر قوله تعالى:"و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون": الزخرف: 39 ، وظاهر قوله:"احشروا الذين ظلموا وأزواجهم": الصافات: 22.

قوله تعالى:"قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم"إلى آخر الآية.

الإغواء هو الإلقاء في الغي والغي والغواية هو الضلال بوجه والهلاك والخيبة ، والجملة أعني قوله:"أغويتني"وإن فسر بكل من هذه المعاني على اختلاف أنظار المفسرين غير أن قوله تعالى في سورة الحجر فيما حكاه عنه:"قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين"يؤيد أن مراده هو المعنى الأول ، والباء في قوله:"فبما"للسببية أو المقابلة ، والمعنى: فبسبب إغوائك إياي أو في مقابلة إغوائك إياي لأقعدن لهم إلخ ، وقد أخطأ من قال: إنها للقسم وكان القائل أراد أن يطبقه على قوله تعالى في موضع آخر حكاية عنه:"قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين": ص: 82.

وقوله:"لأقعدن لهم صراطك المستقيم"أي لأجلسن لأجلهم على صراطك المستقيم وسبيلك السوي الذي يوصلهم إليك وينتهي بهم إلى سعادتهم لما أن الجميع سائرون إليك سالكون لا محالة مستقيم صراطك فالقعود على الصراط المستقيم كناية عن التزامه والترصد لعابريه ليخرجهم منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت