و قوله:"ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم"بيان لما يصنعه بهم وقد كمن لهم قاعدا على الصراط المستقيم ، وهو أنه يأتيهم من كل جانب من جوانبهم الأربعة.
وإذ كان الصراط المستقيم الذي كمن لهم قاعدا عليه أمرا معنويا كانت الجهات التي يأتيهم منها معنوية لا حسية والذي يستأنس من كلامه تعالى لتشخيص المراد بهذه الجهاد كقوله تعالى: يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا": النساء: 120 ، وقوله:"إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه": آل عمران: 175 وقوله:"و لا تتبعوا خطوات الشيطان": البقرة: 168 ، وقوله:"الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء": البقرة 268 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة هو أن المراد مما بين أيديهم ما يستقبلهم من الحوادث أيام حياتهم مما يتعلق به الآمال والأماني من الأمور التي تهواه النفوس وتستلذه الطباع ، ومما يكرهه الإنسان ويخاف نزوله به كالفقر يخاف منه لو أنفق المال في سبيل الله أو ذم الناس ولومهم لو ورد سبيلا من سبل الخير والثواب."
والمراد بخلقهم ناحية الأولاد والأعقاب فللإنسان فيمن يخلفه بعده من الأولاد آمال وأماني ومخاوف ومكاره فإنه يخيل إليه أنه يبقى ببقائهم فيسره ما يسرهم ويسوؤه ما يسوؤهم فيجمع المال من حلاله وحرامه لأجلهم ، ويعد لهم ما استطاع من قوة فيهلك نفسه في سبيل حياتهم.
والمراد باليمين وهو الجانب القوي الميمون من الإنسان ناحية سعادتهم وهو الدين وإتيانه من جانب اليمين أن يزين لهم المبالغة في بعض الأمور الدينية ، والتكلف بما لم يأمرهم به الله وهو الذي يسميه الله تعالى باتباع خطوات الشيطان.
والمراد بالشمال خلاف اليمين ، وإتيانه منه أن يزين لهم الفحشاء والمنكر ويدعوهم إلى ارتكاب المعاصي واقتراف الذنوب واتباع الأهواء.
قال الزمخشري في الكشاف ،: فإن قلت: كيف قيل:"من بين أيديهم ومن خلفهم"بحرف الابتداء ، و"عن أيمانهم وعن شمائلهم"بحرف المجاوزة؟ قلت: المفعول فيه عدي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به فكما اختلفت حروف التعدية في ذاك اختلفت في هذا وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس ، وإنما يبحث عن صحة موقعها فقط.
فلما سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه وعلى يمينه وجلس عن شماله وعلى شماله قلنا: معنى على يمينه أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه ، ومعنى عن يمينه أنه جلس متجافيا عن صاحب اليمين منحرفا عنه غير ملاصق له ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره كما ذكرنا في"تعال"، انتهى موضع الحاجة.
وقوله تعالى:"و لا تجد أكثرهم شاكرين"نتيجة ما ذكره من صنعه بهم بقوله:"لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم"إلخ ، وقد وضع في ما حكاه الله من كلامه في غير هذا الموضع بدل هذه الجملة أعني"و لا تجد أكثرهم شاكرين"جملة أخرى قال:"قال أ رأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا": إسراء: 62 فاستثنى من وسوسته وإغوائه القليل مطابقا لما في هذه السورة ، وقال:"لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين": الحجر: 40 ، ص: 83.
ومنه يظهر أنه إنما عنى بالشاكرين في هذا الموضع المخلصين ، والتأمل الدقيق في معنى الكلمتين يرشد إلى ذلك فإن المخلصين - بفتح اللام - هم الذين أخلصوا لله فلا يشاركه فيهم أي في عبوديتهم وعبادتهم سواه ، ولا نصيب فيهم لغيره ، ولا يذكرون إلا ربهم وقد نسوا دونه كل شيء حتى أنفسهم فليس في قلوبهم إلا هو سبحانه ، ولا موقف فيها للشيطان ولا لتزييناته.
والشاكرون هم الذين استقرت فيهم صفة الشكر على الإطلاق فلا يمسون نعمة إلا بشكر أي بأن يستعملوها ويتصرفوا فيها قولا أو فعلا على نحو يظهرون به أنها من عند ربهم المنعم بها عليهم فلا يقبلون على شيء - أعم من أنفسهم وغيرهم - إلا وهم على ذكر من ربهم قبل أن يمسوه ومعه وبعده ، وأنه مملوك له تعالى طلقا ليس له من الأمر شيء فذكرهم ربهم على هذه الوتيرة ينسيهم ذكر غيره إلا بالله ، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
فلو أعطي اللفظ حق معناه لكان الشاكرون هم المخلصين ، واستثناء إبليس الشاكرين أو المخلصين من شمول إغوائه وإضلاله جرى منه على حقيقة الأمر اضطرارا ولم يأت به جزافا أو امتنانا على بني آدم أو رحمة أو لغير ذلك.