فهرس الكتاب

الصفحة 1569 من 4314

فهذا ما واجه إبليس به مصدر العزة والعظمة أعني قوله:"فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم - إلى قوله - ولا تجد أكثرهم شاكرين"فأخبر أنه يقصدهم من كل جهة ممكنة ، ويفسد الأمر على أكثرهم بإخراجهم عن الصراط المستقيم ، ولم يبين نحو فعله وكيفية صنعه.

لكن في كلامه إشارة إلى حقيقتين: إحداهما: أن الغواية التي تمكنت في نفسه وهو ينسبها إلى صنع الله هي السبب لإضلاله وإغوائه لهم أي إنه يمسهم بنفسه الغوية فلا يودع فيهم إلا الغواية كالنار التي تمس الماء بسخونتها فتسخنه ، وهذه الحقيقة ظاهرة من قوله تعالى:"احشروا الذين ظلموا وأزواجهم - إلى أن قال - وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا بل لم تكونوا مؤمنين - إلى أن قال - فأغويناكم إنا كنا غاوين": الصافات: 32.

والثانية: أن الذي يمسه الشيطان من بني آدم - وهو نوع عمله وصنعه - هو الشعور الإنساني وتفكره الحيوي المتعلق بتصورات الأشياء والتصديق بما ينبغي فعله أو لا ينبغي ، وسيجيء تفصيله في الكلام في إبليس وعمله.

قوله تعالى:"قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك"إلخ المذءوم من ذامه يذامه ويذيمه إذا عابه وذمه ، والمدحور من دحره إذا طرده ودفعه بهوان.

وقوله:"لمن تبعك منهم"إلخ ، اللام للقسم وجوابه هو قوله:"لأملأن جهنم"إلخ ، لما كان مورد كلام إبليس - وهو في صورة التهديد بالانتقام - هو بني آدم وأنه سيبطل غرض الخلقة فيهم وهو كونهم شاكرين أجابه تعالى بما يفعل بهم وبه فقال:"لمن تبعك منهم"محاذاة لكلامه ثم قال:"لأملأن جهنم منكم أجمعين"أي منك ومنهم فأشركه في الجزاء معهم.

وقد امتن تعالى في كلمته هذه التي لا بد أن تتم فلم يذكر جميع من تبعه بل أتى بقوله:"منكم"وهو يفيد التبعيض.

قوله تعالى:"و يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة"إلى آخر الآية.

خص بالخطاب آدم (عليه السلام) وألحق به في الحكم زوجته ، وقوله:"فكلا من حيث شئتما"توسعة في إباحة التصرف إلا ما استثناه بقوله:"و لا تقربا هذه الشجرة"والظلم هو الظلم على النفس دون معصية الأمر المولوي فإن الأمر إرشادي.

قوله تعالى:"فوسوس لهما الشيطان"إلى آخر الآية.

الوسوسة هي الدعاء إلى أمر بصوت خفي ، والمواراة ستر الشيء بجعله وراء ما يستره ، والسوآة جمع السوأة وهي العضو الذي يسوء الإنسان إظهاره والكشف عنه ، وقوله:"ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين"إلخ ، أي إلا كراهة أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.

والملك وإن قرىء بفتح اللام إلا أن فيه معنى الملك - بالضم فالسكون - والدليل عليه قوله في موضع آخر:"قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى": طه: 120.

ونقل في المجمع ، عن السيد المرتضى رحمه الله احتمال أن يكون المراد بقوله:"إلا أن تكونا ملكين"إلخ ، أنه أوهمهما أن المنهي عن تناول الشجرة الملائكة خاصة والخالدون دونهما فيكون كما يقول أحدنا لغيره: ما نهيت عن كذا إلا أن تكون فلانا ، وإنما يريد أن المنهي إنما هو فلان دونك ، وهذا أوكد في الشبهة واللبس عليهما انتهى.

لكن آية سورة طه المنقولة آنفا تدفعه.

قوله تعالى:"و قاسمهما إني لكما لمن الناصحين"المقاسمة المبالغة في القسم أي حلف لهما وأغلظ في حلفه إنه لهما لمن الناصحين ، والنصح خلاف الغش.

قوله تعالى:"فدلاهما بغرور إلى آخر الآية."

التدلية التقريب والإيصال كما أن التدلي الدنو والاسترسال ، وكأنه من الاستعارة من دلوت الدلو أي أرسلتها ، والغرور إظهار النصح مع إبطان الغش ، والخصف الضم والجمع ، ومنه خصف النعل.

وفي قوله:"و ناداهما ربهما أ لم أنهكما عن تلكما الشجرة"دلالة على أنهما عند توجه هذا الخطاب كانا في مقام البعد من ربهما لأن النداء هو الدعاء من بعد ، وكذا من الشجرة بدليل قوله:"تلكما الشجرة"بخلاف قوله عند أول ورودهما الجنة:"و لا تقربا هذه الشجرة".

قوله تعالى:"قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين"هذا منهما نهاية التذلل والابتهال ، ولذلك لم يسألا شيئا وإنما ذكرا حاجتهما إلى المغفرة والرحمة وتهديد الخسران الدائم المطلق لهما حتى يشاء الله ما يشاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت