قوله تعالى:"قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو"إلى آخر الآية ، كان الخطاب لآدم وزوجته وإبليس ، وعداوة بعضهم لبعض هو ما يشاهد من اختلاف طبائعهم ، وهذا قضاء منه تعالى والقضاء الآخر قوله:"و لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين أي إلى آخر الحياة الدنيوية ، وظاهر السياق أن الخطاب الثاني أيضا يشترك فيه الثلاثة."
قوله تعالى:"قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون"قضاء آخر يوجب تعلقهم بالأرض إلى حين البعث ، وليس من البعيد أن يختص هذا الخطاب بآدم وزوجته وبنيهما ، لما فيه من الفصل بلفظة"قال"وقد مر تفصيل الكلام في قصة الجنة في سورة البقرة فليراجعها من شاء.
كلام في إبليس وعمله
عاد موضوع"إبليس"موضوعا مبتذلا عندنا لا يعبأ به دون أن نذكره أحيانا ونلعنه أو نتعوذ بالله منه أو نقبح بعض أفكارنا بأنها من الأفكار الشيطانية ووساوسه ونزغاته دون أن نتدبر فنحصل ما يعطيه القرآن الكريم في حقيقة هذا الموجود العجيب الغائب عن حواسنا ، وما له من عجيب التصرف والولاية في العالم الإنساني.
وكيف لا وهو يصاحب العالم الإنساني على سعة نطاقه العجيبة منذ ظهر في الوجود حتى ينقضي أجله وينقرض بانطواء بساط الدنيا ثم يلازمه بعد الممات ثم يكون قرينه حتى يورده النار الخالدة ، وهو مع الواحد منا كما هو مع غيره هو معه في علانيته وسره يجاريه كلما جرى حتى في أخفى خيال يتخيله في زاوية من زوايا ذهنه أو فكرة يواريها في مطاوي سريرته لا يحجبه عنه حاجب ، ولا يغفل عنه بشغل شاغل.
وأما الباحثون منا فقد أهملوا البحث عن ذلك وبنوا على ما بنى عليه باحثوا الصدر الأول سالكين ما خطوا لهم من طريق البحث ، وهي النظريات الساذجة التي تلوح للأفهام العامية لأول مرة تلقوا الكلام الإلهي ثم التخاصم في ما يهتدي إليه فهم كل طائفة ، خاصة والتحصن فيه ثم الدفاع عنه بأنواع الجدال ، والاشتغال بإحصاء إشكالات القصة وتقرير السؤال والجواب بالوجه بعد الوجه.
لم خلق الله إبليس وهو يعلم من هو؟ لم أدخله في جمع الملائكة وليس منهم؟ لم أمره بالسجدة وهو يعلم أنه لا يأتمر؟ لم لم يوفقه للسجدة وأغواه؟ لم لم يهلكه حين لم يسجد؟ لم أنظره إلى يوم يبعثون أو إلى يوم الوقت المعلوم؟ لم مكنه من بني آدم هذا التمكين العجيب الذي به يجري منهم مجرى الدم؟ لم أيده بالجنود من خيل ورجل وسلطه على جميع ما للحياة الإنسانية به مساس؟ لم لم يظهره على حواس الإنسان ليحترز مساسه؟ لم لم يؤيد الإنسان بمثل ما أيده به؟ ولم لم يكتم أسرار خلقه آدم وبنيه من إبليس حتى لا يطمع في إغوائهم؟ وكيف جازت المشافهة بينه وبين الله سبحانه وهو أبعد الخليقة منه وأبغضهم إليه ولم يكن بنبي ولا ملك؟ فقيل بمعجزة وقيل: بإيجاد آثار تدل على المراد ، ولا دليل على شيء من ذلك.
ثم كيف دخل إبليس الجنة؟ وكيف جاز وقوع الوسوسة والكذب والمعصية هناك وهي مكان الطهارة والقدس؟ وكيف صدقه آدم وكان قوله مخالفا لخبر الله؟ وكيف طمع في الملك والخلود وذلك يخالف اعتقاد المعاد؟ وكيف جازت منه المعصية وهو نبي معصوم؟ وكيف قبلت توبته ولم يرد إلى مقامه الأول والتائب من الذنب كمن لا ذنب له؟ وكيف...؟ وكيف...؟.
وقد بلغ من إهمال الباحثين في البحث الحقيقي واسترسالهم في الجدال إشكالا وجوابا أن ذهب الذاهب منهم إلى أن المراد بآدم هذا آدم النوعي والقصة تخييلية محضة واختار آخرون أن إبليس الذي يخبر عنه القرآن الكريم هو القوة الداعية إلى الشر من الإنسان!.
وذهب آخرون إلى جواز انتساب القبائح والشنائع إليه تعالى وأن جميع المعاصي من فعله ، وأنه يخلق الشر والقبيح فيفسد ما يصلحه ، وأن الحسن هو الذي أمر به والقبيح هو الذي نهى عنه ، وآخرون: إلى أن آدم لم يكن نبيا ، وآخرون: إلى أن الأنبياء غير معصومين مطلقا ، وآخرون: إلى أنهم غير معصومين قبل البعثة وقصة الجنة قبل بعثة آدم ، وآخرون: إلى أن ذلك كله من الامتحان واختبار ولم يبينوا ما هو الملاك الحقيقي في هذا الامتحان الذي يضل به كثيرون ويهلك به الأكثرون ، ولو لا وجود ملاك يحسم مادة الإشكال لعادت الإشكالات بأجمعهم.