فهرس الكتاب

الصفحة 1586 من 4314

و في مجالس ابن الشيخ ، عن الرضا عن آبائه عليهم السلام: أن إبليس كان يأتي الأنبياء من لدن آدم إلى أن بعث الله المسيح يتحدث عندهم ويسألهم ، ولم يكن بأحد منهم أشد أنسا منه بيحيى بن زكريا فقال له يحيى: يا أبا مرة إن لي إليك حاجة فقال: أنت أعظم قدرا من أن أردك بمسألة فاسألني ما شئت فإني غير مخالفك في أمر تريده ، فقال يحيى: يا أبا مرة أحب أن تعرض علي مصائدك وفخوخك التي تصطاد بها بني آدم ، فقال له إبليس: حبا وكرامة وواعده لغد. فلما أصبح يحيى قعد في بيته ينتظر الوعد ، وأغلق عليه الباب إغلاقا ، فما شعر حتى ساواه من خوخة كانت في بيته فإذا وجهه صورة وجه القرد ، وجسده على صورة الخنزير ، وإذا عيناه مشقوقتان طولا ، وإذا أسنانه وفمه مشقوقات طولا عظما واحدا بلا ذقن ولا لحية ، وله أربعة أيد يدان في صدره ويدان في منكبه ، وإذا عراقيبه قوادمه وأصابعه خلفه وعليه قباء وقد شد وسطه بمنطقة فيها خيوط معلقة بين أحمر وأصفر وأخضر وجميع الألوان ، وإذا بيده جرس عظيم وعلى رأسه بيضة ، وإذا في البيضة حديدة معلقة شبيهة بالكلاب. فلما تأمله يحيى قال: ما هذه المنطقة التي في وسطك؟ فقال: هذه المجوسية أنا الذي سننتها وزينتها لهم. فقال له: ما هذه الخطوط الألوان؟ فقال: هذه جميع أصناع النساء لا تزال المرأة تصنع الصنيع حتى يقع مع لونها فأفتن الناس بها فقال له: فما هذا الجرس الذي بيدك؟ قال: هذا مجمع كل لذة من طنبور وبربط ومعزفة وطبل وناي وصرناي ، وإن القوم ليجلسون على شرابهم فلا يستلذونه فأحرك الجرس فيما بينهم فإذا سمعوه استخف بهم الطرب فمن بين من يرقص ، ومن بين من يفرقع أصابعه ، ومن بين من يشق ثيابه. فقال له: وأي الأشياء أقر لعينك؟ قال: النساء ، من فخوخي ومصائدي فإذا اجتمعت إلى دعوات الصالحين ولعناتهم صرت إلى النساء فطابت نفسي بهن فقال: له يحيى: فما هذه البيضة على رأسك؟ قال: بها أتوقى دعوة المؤمنين. قال: فما هذه الحديدة التي أرى فيها؟ قال: بهذه أقلب قلوب الصالحين. قال يحيى: فهل ظفرت بي ساعة قط؟ قال: لا ، ولكن فيك خصلة تعجبني. قال يحيى: فما هي؟ قال: أنت رجل أكول فإذا أفطرت أكلت وبشمت فيمنعك ذلك من بعض صلاتك وقيامك بالليل. قال يحيى: فإني أعطي الله عهدا أن لا أشبع من الطعام حتى ألقاه. قال له إبليس: وأنا أعطي الله عهدا أن لا أنصح مسلما حتى ألقاه ، ثم خرج فما عاد إليه بعد ذلك.

أقول: والحديث مروي من طرق أهل السنة بوجه أبسط من ذلك: وقد روي له مجالس ومحاورات ومشافهات مع آدم ونوح وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليهم ، وهناك - كما مرت الإشارة إليه - روايات لا تحصى كثرة في أنحاء تسويلاته وأنواع تزييناته عند أنواع المعاصي والذنوب رواها الفريقان ، والجميع تشهد أوضح شهادة على أنها تشكلات مثالية على حسب ما يلائم نوع المعصية من الشكل والكيفية ويناسبها نظير ما تتمثل الحوادث في الرؤيا على حسب المناسبات المألوفة والاعتقادات المعتادة.

ومن التأمل في هذا القسم الثاني يظهر أن الكيفيات والخصوصيات الواردة في القسم الأول المذكور من الأخبار إنما هي أنواع نسب بين هذا الموجود أعني إبليس وبين الأشياء تدعو إلى وساوس وخطرات تناسبها.

فالجميع من التجسمات المثالية التي تناسبها الأعمال أو الأشياء غير التجسم المادي الذي ربما مال إليه الحشوية وبعض أهل الحديث حتى تكون المجوسية مثلا اعتقادا عند الإنسان وهي بعينها منطقة من أديم عند إبليس يشد بها وسطه ، أو أن يصير إبليس تارة آدميا له حقيقة الإنسان وقواه وأعماله وتارة شيئا من الحيوان الأعجم له حقيقة نوعية وتارة جمادا ليس بذي حياة وشعور ، أو أن هذه النوعيات جميعا هي أشكال وصور عارضة على مادة إبليس فالروايات أجنبية عن الدلالة على أمثال هذه المحتملات.

وإنما هي روايات جمة لا ريب في صدور مجموعها من حيث المجموع وتأييد القرآن لها كذلك وهي تدل على أن لإبليس أن يظهر لحواسنا بمختلف الصور هذا من حيث المجموع وأما كل واحد واحد فما صح منها سندا - وليس الجميع على هذه الصفة - فهو من الآحاد التي لا يعول عليها في أمثال هذه المسائل الأصلية نعم ربما أمكن استفادة حكم فرعي منها من استحباب أو كراهة على ما هو شأن الفقيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت